في الشهور الماضية، جهد الجولاني كي يقنع العالم أجمع وكذلك السوريين بأنه قد خلع بذلة الجهاد والإرهاب ولبس بذلة رئيس دولة مدني منفتح وتسامحي، يريد أن يخدم الشعب وأن يحتضن تعدديته وأطيافه وأن يجعل سوريا للجميع. وظف الشرع ماكينة إعلامية وتسويقية ضخمة من جمهور الهيئة، كي تساعده على إقناع السوريين بهذا. ولكن تلك الماكينة تألفت فقط من إعلاميين ووزراء ومدراء وقيادات ورجال أعمال وأصحاب رأي جهلة ومتسلقين ونفعيين ومطبلين أساؤوا له ولتلك الصورة أكثر مما أفادوها.

بينت مذبحة السويداء المروعة وبعدها انسحابها من المحافظة وتركها تحت إدارة ذاتية، بأن إسرائيل قد نجحت في إيقاع الرئيس السوري أحمد الشرع في فخ عميق ومدروس وشديد المكر، يُخشى من أن يمكنها من ابتلاع كامل الجنوب السوري وإدارته لعقود طويلة.

كل المعطيات الموضوعية التي امتلأت بها الساحة السورية خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، وبدءاً من مذبحة الساحل وكافة أحداث مسلسل إمساك هيئة تحرير الشام بزمام ومفاصل السلطة المطلقة في البلد، كانت تقول لمن يريد أن يسمع، وكانت تكشف بجلاء لمن يريد أن يرى، بأن مسار القتل الممنهج لسوريا يتسارع ويقوى ويبلغ مداه الأقصى. تم الولوغ في تطبيق سياسة العنف التأسيسي واستراتيجية الترهيب التمكينية. تم تخدير جمهور واسع من أهل سوريا السنة بحقنٍ عالية الدرجة ومفرطة من الخطابات الشعبوية الانتصارية والتمجيدية لسلطة قيل لهم إنها أعادت السلطة والاعتبار والهيبة والعزوة لهم ولتاريخهم الأموي المجيد، وقيل لهم إنهم عادوا إلى القيادة والانتصار والكرامة، وأنهم الآن سيقررون كونهم هم وحدهم دون سواهم من حرروا، وأنهم هم وحدهم من ظلموا واختبروا المقتلة دون سواهم من أطياف الجمهور السوري. وكل هذا شكل الأرضية التي وقفت عليها إدارة هيئة تحرير الشام وراحت باسمها تمارس سياسة قد تؤدي إلى مشروع "قتل حلم سوريا" وذلك عن طريق ارتكاب جرائم قتل متسلسلة، بلغت ذروتها منذ يومين فقط: قتل الدولة، ثم قتل الجمهورية، ثم قتل القانون والدستور، ثم قتل المواطنة والمدنية، ثم قتل الإدارة والحوكمة، ثم قتل التماسك والتعدد المجتمعي، ثم قتل الثقافة، ثم قتل الحريات، ثم قتل المؤسسات، ثم قتل الطبيعة، وتوسيع حدود القتل وهذا كله يؤدي إلى تفتيت الكيان السوري، ووأد إمكانية إعادة خلقه من الداخل.

اليوم، ومع مذبحة السويداء، وما ارتكب فيها من فظائع وانتهاكات للكرامات وللبيوت وسرقة ونهب وتدمير وإذلال للبشر والحجر واحتقار الرموز والتاريخ، كل ذلك يؤدي إلى دفع ثمن التهاون والتساهل مع الارتكابات، وثمن استخدام لكتائب الهيئة لارتكاب جرائم سياسة العنف التأسيسي. وها إن إسرائيل تستغل نقطة الضعف تلك وتستغل رفض الإدارة لاحتضان السوريين وبناء دولة مدنية دستورية تقوم على القانون والتعدد وحقوق الجميع، وتنزل بها أشد الضربات، مستفيدة من الجرح السوري النازف من جرائم الهيئة في الجنوب. وقد سبق وقلنا للإدارة إن عليها أن تحاسب الهيئة وأن تعاقبها على مذبحة الساحل، ولم تستمع لنا، بل احتضنت مرتكبي جرائم الساحل وغيرها من الجرائم لاحقاً، وجعلتهم أمراء حروب يحكمون إقطاعيات سوريا، وسلمت شيوخهم وأدواتهم شؤون البلد وحياة الناس اليومية. واليوم دعونا الشرع وإدارته لوقف القتل والعنف المجرم في السويداء. ولكن، هذه المرة أيضاً، لم يستجب، لا سيما أنه اعتقد أنه وضع إسرائيل وأميركا وأوروبا في جيبه، بعد أن رفعوا عنه وعن هيئته العقوبات والتصنيفات السابقة، وبعد أن أدخلوه في نشوة انتصار وتلميع صورة إعلامية مدروسة، جعلته يعتقد أنهم اعطوه الضوء الأخضر كي يحول سوريا كلها إلى إمارة إدلب، التي ساعدته تلك الدول أصلاً على خلقها ما بين أعوام 2018 و2024. ولكن الأحداث تقول لنا أن الشرع وهيئته كانوا يجرون بأقدامهم ونشوة انتصاريتهم وجشعهم بالسلطة إلى فخٍ محكم، قاد مؤخراً إلى هزيمة نكراء في السويداء وتعرضهم لاغتصاب كامل للسيادة من قبل إسرائيل وضرباتها (واجتياحها المحتمل للجنوب).

ها أن الإدارة تدفع ثمن أخطاء منحت فيها أوراق لإسرائيل لتكتمل آخر فصول سياسة القتل المبرمجة لسوريا. فبدل أن يتجه الشرع وإدارته إلى الداخل السوري بأذرع مفتوحة ووطنية حقيقية ويحتضنوا أهالي سوريا ويتخلوا عن الهيئة ودورها ويعاقبوا جرائمها وارتكاباتها ويضعوا حداً لتغول أمراء حروبها ومشايخها، تعالوا على الداخل السوري وراحوا يتعاملون معه بعنجهية وإسفاف واستهتار، وغرقوا في عمليات العلاقات العامة التلميعية والتسويقية لأنفسهم في الخارج، طمعاً بمكاسب ومغانم إعادة الإعمار وإعادة خلق الاقتصاد السوري، وبناء صورة بطولية ونجومية براقة في دهاليز وقاعات المجتمع الدولي. وقد قلنا للشرع وإدارته إن عليه أن يخلص إدارته الانتقالية وأن يحررها من عبء وأثمان الاعتماد على الهيئة، وتسليمها إدارة البلد الداخلية الباهظة الثمن، ونصحناه بأن يحتضن الشعب السوري بكل أطيافه. وهذا الشعب كان سيساعده على التخلص من نير الهيئة، إن كان هو وإدارته عاجزين لوحدهم عن ذلك.

واليوم، ومع ذهاب كل هذه النصائح أدراج الرياح، هنا صورة مستعادة في السرديات الاجتماعية السورية حول قيام أبو محمد الجولاني بقتل أحمد الشرع. في الشهور الماضية، جهد الجولاني كي يقنع العالم أجمع وكذلك السوريين بأنه قد خلع بذلة الجهاد والإرهاب ولبس بذلة رئيس دولة مدني منفتح وتسامحي، يريد أن يخدم الشعب وأن يحتضن تعدديته وأطيافه وأن يجعل سوريا للجميع. وظف الشرع ماكينة إعلامية وتسويقية ضخمة من جمهور الهيئة، كي تساعده على إقناع السوريين بهذا. ولكن تلك الماكينة تألفت فقط من إعلاميين ووزراء ومدراء وقيادات ورجال أعمال وأصحاب رأي جهلة ومتسلقين ونفعيين ومطبلين أساؤوا له ولتلك الصورة أكثر مما أفادوها. ومع ملاحظتنا لتنامي حالة تساهل الشرع مع كتائب الهيئة وممارساتهم اليومية ضد السوريين وحيواتهم وحرياتهم وحقوقهم، لا بل وتوظيفه لتلك الممارسات في تقديم نفسه على أنه الخليفة الجديد المختلف عن كل هذا، حتى الوصول مؤخراً إلى توظيفه لتلك الكتائب الأمنية والعسكرية في ارتكاب الجرائم في السويداء وقراها ضد الدروز، فإننا يمكن أن نقول إن أبو محمد الجولاني قد قتل أحمد الشرع بيده.

قامت هيئة تحرير الشام اليوم بقتل إدارة المرحلة الانتقالية التي أسسها الشرع. كنا في الشهور المنصرمة نمني النفس بأن يقوم أحمد الشرع بخلق جهاز حكومي وإداري يتولى إدارة سوريا خلال المرحلة الانتقالية وفق استراتيجية سياسية وحوكمية، تسمح للمدنيين والتكنوقراط والمؤهلين علمياً وكفاءةً وخبرةً بالقيام بعملية الانتقال تلك، وأخذها إلى المآلات المرجوة منها. ولكن، انتهى الأمر به أن خلق حكومة كرتونية وقيادات مدنية صورية، ما هي إلا ديكورات خارجية تخفي خلفها المدراء الحقيقيين والمباشرين الأوصياء على البلد وشؤونها ومصيرها. وإن كنا لاحظنا خلال الشهور المنصرمة محاولات خجولة من قبل أفراد في الإدارة للتحرر من قيود وهيمنة أعضاء مجالس شورى وتشخيص مصلحة النظام التابعين للهيئة على القرار والسياسات الداخلية بالكامل، ولمسنا بعض المحاولات الخجولة من الشرع وإدارته لتحييد بعض قيادات الهيئة أو تحجيم أدوارهم في إمارتهم. إلا أن جرائم السويداء الأخيرة تقول لنا بأن هيئة تحرير الشام قد قامت بقتل كلي لإدارة المرحلة الانتقالية مؤخراً. وأننا وصلنا إلى خاتمة مسلسل قتل سوريا: من قتل الدولة وتحويلها إلى "لا-دولة" وصولاً اليوم إلى قتل الإدارة والحوكمة وتحويلها إلى "زعامة وهيمنة مماليك إمارات الإقطاعيات".

اليوم، تشهد سوريا عودة الجولاني وهيئة تحرير الشام إلى المشهد ولم يبق أمام سوريا سوى أن تسير نحو فشل مشروع فرض جمهورية مركزية رئاسية فيها. لم يبق لسوريا سوى أن تتجه نحو ما اقترحناه أصلاً وقلنا إنه آتٍ لا محالة: نظام جمهوري اتحادي وحكم لامركزي. يفتح اليوم نجاح الدروز بأن يفرضوا رغبتهم بإدارة ذاتية الباب واسعاً أمام تطبيق آلية الإدارة الذاتية نفسها في مناطق الأكراد وبعدها مناطق الساحل، الأمر الذي يعني أن سوريا الجمهورية الاتحادية هي التي ستكون الخيار الآتي. ولربما سيكون هذا أهون الشرور في ضوء رغبة إسرائيل بتقسيم سوريا وتشطيرها إلى كيانات منفصلة لا رابط بينها إطلاقاً. يبقى النظام الاتحادي أهون الشرور لأنه يزيل المركزية، إلا أنه لا يقضي على الوحدة بالضرورة.

تسير سوريا حثيثاً نحو هاوية بلا قعر ومرحلة سوداء قاتمة في ظل مسار القتل المتسلسل الذي تعيشه البلد. لا تدل المعطيات المتوفرة على أن هذا المسار قد انتهى، أو أن هناك في أوساط السوريين من يعمل على إيقافه. فالشارع المناصر للهيئة في سوريا ما زال غارقاً في هلوسات الانتصار ونشوة الأموية واستعادة السلطة، ولا يبدو أن اقترافات الهيئة تذكره أبداً بما شهده واختبره من الممارسات نفسها من قبل نظام الأسد والبعث. يبدو وأن الاقترافات والوحشية والبربرية والإرهاب والاستبداد الأسدي لم يكن هو المشكلة عند هذا الجمهور، بل كانت المشكلة أنه كان "أسدياً" أو "غير سني"!

أما فئات الشارع السوري الأخرى وفعالياته المدنية والديمقراطية والوطنية الرافضة لما يجري والناقدة له، فهي الأقلية الفعلية على الأرض وفي المشهد، وهي عاجزة ومهمشة بل ومحاربة وتتعرض لكل أنواع التهديد الشعبوي من أنصار وهم "بني أمية"، وهي لا تملك أكثر من رأيها وصوتها في بلدٍ تم فيه قتل السياسة والعقل والرأي الآخر والمحاكمات المعرفية العلمية.

إلى أين سوريا؟ إلى هاوية سحيقة بلا قعر؟ إلى أرض محروقة ومجتمع محطم وأمة متقاتلة وممزقة لن تستطيع ترميم نفسها؟ إلى أين حلم خلق دولة في سوريا؟ إلى لعبة تقاسم المغانم وتوزيع الأدوار التي سيقررها الإسرائيلي وسيدفع لتحقيقها الأميركي ويصادق عليها الأوروبي؟

ستكون سوريا محظوظة جداً إن كانت دولة جمهورية اتحادية ولم تبق "لا-دولة" أو تتحول إلى دويلات مقسمة ومنفصلة ومتعادية. إلى أين حلم السوريين ببلد ثاروا من أجل أن يجعلوه حراً، مدنياً، ديمقراطياً، تعددياً، عادلاً، تقدمياً، حداثوياً، ومزدهراً؟

تسير سوريا حثيثاً نحو هاوية بلا قعر ومرحلة سوداء قاتمة في ظل مسار القتل المتسلسل الذي تعيشه البلد. لا تدل المعطيات المتوفرة على أن هذا المسار قد انتهى، أو أن هناك في أوساط السوريين من يعمل على إيقافه. فالشارع المناصر للهيئة في سوريا ما زال غارقاً في هلوسات الانتصار ونشوة الأموية واستعادة السلطة، ولا يبدو أن اقترافات الهيئة تذكره أبداً بما شهده واختبره من الممارسات نفسها من قبل نظام الأسد والبعث. يبدو وأن الاقترافات والوحشية والبربرية والإرهاب والاستبداد الأسدي لم يكن هو المشكلة عند هذا الجمهور، بل كانت المشكلة أنه كان "أسدياً" أو "غير سني"!