في العالم المعاصر، لم يعد الحياد دائماً ذلك الموقع الأخلاقي النبيل الذي يتعالى على الانفعالات والاصطفافات، بل بات ــ في كثيرٍ من الأحيان ــ تقنيةً خطابية شديدة الذكاء لإخفاء الانحياز تحت قشرةٍ من الرصانة. فالسلطة الحديثة لم تعد تحتاج إلى الأكاذيب الفجّة بقدر حاجتها إلى أنصاف الحقائق، ولا إلى القمع الصريح بقدر حاجتها إلى لغةٍ باردة تُفرغ المأساة من معناها، ثم تعيد تقديمها بوصفها (وجهات نظر متقابلة).
ثمة فرق جوهري بين الحياد بوصفه انضباطاً معرفياً، وبين الحياد بوصفه انسحاباً أخلاقياً من تسمية الأشياء بأسمائها. الأول فضيلة عقلية، أما الثاني فغالباً ما يتحول إلى شكلٍ راقٍ من أشكال التواطؤ. إذ لا يمكن الوقوف (على مسافة واحدة) بين الضحية وجلادها دون أن تميل الكفة ــ موضوعيًا ــ إلى جانب الأقوى.
فالحياد بين غير المتكافئين ليس حياداً، بل إعادة إنتاج لاختلال القوة بلغةٍ أكثر تهذيباً.
من هنا، لا يصبح الامتناع عن وصف الظلم بالظلم نوعاً من التعقّل، بل شكلاً لغوياً من أشكال تبييضه. فاللغة ليست وعاءً بريئاً للأحداث، وإنما أداة لإعادة تشكيل الإدراك العام. وحين تُختزل المجازر إلى (تداعيات)، والقمع إلى (إجراءات)، والاستبداد إلى (حالة جدلية)، فإن ما يجري ليس توصيفًا محايداً للواقع، بل إعادة هندسة للوعي بحيث تبدو الفظائع أقل فظاعة، ويغدو القبول بها ممكناً نفسياً وأخلاقياً.
لقد أدركت الأنظمة الحديثة، السياسية والإعلامية على السواء، أن السيطرة الأكثر فاعلية ليست تلك التي تُفرض بالقوة المباشرة، بل تلك التي تجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه، ويعيد إنتاج الرواية السائدة باعتبارها الحقيقة الطبيعية الوحيدة. وهكذا، لا يعود القمع مجرد هراوة أو سجن، بل يتحول إلى شبكةٍ دقيقة من اللغة والصورة والخوف والعزلة الاجتماعية.
إن أخطر أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في إقناع الفرد بأن صمته حكمة، وأن حياده تفوّق أخلاقي، بينما هو في الحقيقة يتكيف ــ بوعي أو بدونه ــ مع موازين القوة القائمة.
في هذا السياق، يغدو (الحياد) امتيازاً لا يملكه الضحايا أصلاً. فالذي تُهدم حياته أو تُصادر حريته لا يملك ترف الوقوف خارج المعادلة، بينما يستطيع البعيد عن الألم أن يتحدث عن (الموضوعية) من موقعٍ آمن، كما لو أن المأساة تمرينٌ فكري لا جرحٌ إنساني مفتوح. لذلك فإن أكثر الخطابات برودةً ليست دائماً أكثرها عقلانية، بل قد تكون أكثرها انفصالاً عن الواقع الإنساني.
ولعلّ المأزق الأكبر يكمن في أولئك الذين يعلنون وقوفهم (خارج السياسة)، فكل خطاب يدّعي الابتعاد عن السياسة يمارس السياسة بطريقةٍ خفية؛ لأن الامتناع عن اتخاذ موقف داخل فضاءٍ مشحون بالصراع ليس خروجاً من اللعبة، بل تموضعٌ داخلها بصورة غير معلنة. الصمت نفسه قد يكون موقفاً، واللغة المحايدة قد تتحول إلى قناعٍ للعجز أو الخوف أو المصلحة.
إن المثقف الحقيقي لا يُقاس بقدرته على الاحتماء بالمسافة الآمنة، بل بقدرته على مقاومة تحويل الفكر إلى ديكورٍ بارد فوق ركام البشر. فالثقافة التي لا تمتلك شجاعة أخلاقية تصبح مجرد مهارةٍ لغوية، والكتابة التي تخشى تسمية الأشياء تفقد وظيفتها الجوهرية بوصفها فعل كشفٍ لا فعل مواربة.
لهذا، لا يكون السؤال الحقيقي: (كيف نظل محايدين؟)، بل: كيف نحافظ على نزاهتنا دون أن نتحول إلى شهود زورٍ بلغةٍ أنيقة؟ لأن التاريخ، في نهاية المطاف، لا يتذكّر أولئك الذين أتقنوا الوقوف في المنتصف، بل أولئك الذين امتلكوا شجاعة الانحياز للإنسان حين صار الإنسان نفسه مهدداً.

