داخل إحدى قاعات البنتاغون، وفي وقت كانت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تستعد لإطلاق حملة عسكرية واسعة ضد الحوثيين في اليمن مطلع عام 2025، لم يكن كبار القادة العسكريين متفقين على قرار الذهاب إلى الحرب.

فبينما دفع قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك، الجنرال مايكل إريك كوريلا، نحو التحرك العسكري السريع، طالب رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال تشارلز براون، بإجراء تقييمات إضافية لتحديد النتائج المتوقعة قبل عرض الخيارات العسكرية على الرئيس.

وبحسب تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2026، أثار اقتراح براون ردا حادا من كوريلا، الذي اعتبر أن مرحلة التقييمات قد انتهت، في موقف دعمه وزير الدفاع بيت هيغسيث.

لم يكن الخلاف متعلقا بتوقيت الضربات وحده، بل امتد إلى أهداف العملية وتكلفتها واستنزاف المخزون الأميركي من الذخائر المتطورة، ومدى قدرة القوة الجوية على إجبار الحوثيين على تغيير سلوكهم.

وبعد نحو عام ونصف على تلك الاجتماعات، تكشف المعلومات المنشورة عن تباين واضح بين تقييم الإدارة الأميركية لنجاح الحملة العسكرية وبين تحذيرات بعض المسؤولين الذين رأوا أن العملية تفتقر إلى أهداف محددة وقابلة للتحقيق.

صراع داخل البنتاغون قبل إطلاق العملية

استند تحقيق واشنطن بوست، الذي أعده الصحفي دان لاموث، إلى مقابلات مع مسؤولين حاليين وسابقين وأشخاص مطلعين على المداولات الداخلية.

ووفق الصحيفة، تشكل داخل وزارة الدفاع اتجاهان مختلفان.

الأول كان يدفع نحو استخدام قوة عسكرية كبيرة ضد الحوثيين، مع استعداد لتوسيع المواجهة باتجاه إيران، التي قدمت للجماعة دعماً عسكرياً وتقنياً خلال سنوات سابقة.

ومثّل هذا الاتجاه الجنرال كوريلا، الذي كان يشرف على العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.

أما الاتجاه الثاني، فضم مسؤولين طالبوا بمراجعة الحسابات العسكرية قبل الدخول في مواجهة قد تستنزف الذخائر من دون ضمان نتائج استراتيجية واضحة.

ومن هؤلاء رئيس هيئة الأركان تشارلز براون، والمستشار السابق لوزير الدفاع دان كالدويل، والمسؤول في سياسات الدفاع أليكس فيليز غرين.

وتشير الرواية إلى أن كالدويل وفيليز غرين أثارا تساؤلات متكررة بشأن مخاطر استنزاف صواريخ وذخائر أميركية مهمة خلال حملة طويلة ضد الحوثيين.

ولا توجد أدلة منشورة على أن هذه الخلافات كانت السبب المباشر لإقالة براون، الذي أبعد من منصبه قبل بدء العملية.  وقد رفض مكتب وزير الدفاع توضيح ما إذا كان موقفه بشأن اليمن قد لعب دورا في القرار.

51  يوما من القصف وأكثر من مليار دولار

في 15 مارس/آذار 2025، أطلق ترامب عملية عسكرية حملت اسم Rough Rider، استهدفت مواقع الحوثيين العسكرية في اليمن.

واستمرت الحملة 51  يوما، وشملت ضرب أكثر من ألف هدف، بينها منشآت عسكرية ومخازن أسلحة ومراكز قيادة ومواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وبحسب واشنطن بوست، تجاوزت التكلفة التقديرية للعملية مليار دولار.

ورغم كثافة الضربات، واصل الحوثيون استهداف السفن الحربية الأميركية ومهاجمة أهداف في البحر الأحمر ومحيطه.

وخلال العملية، أسقط الحوثيون سبع طائرات أميركية مسيّرة على الأقل من طراز MQ-9 Reaper، فيما خسرت البحرية الأميركية مقاتلتين من طراز F/A-18  نتيجة حوادث في البحر.

وأثارت الحملة أيضا مخاوف بشأن الخسائر المدنية.

ففي تحقيق منفصل نشرته واشنطن بوست في أغسطس/آب 2026، كشفت الصحيفة أن مراجعة للبنتاغون خلصت إلى أن ثلاث ضربات أميركية خلال أبريل 2025  تسببت، على الأرجح، بمقتل 153  مدنيا وإصابة نحو 250  آخرين، فيما ظلت 15  واقعة أخرى قيد التقييم.

 

اتفاق مفاجئ أنهى الحرب ولم ينه الأزمة

في السادس من مايو/أيار 2025، أعلن ترامب وقف العمليات العسكرية ضد الحوثيين بعد وساطة عُمانية.

ونص التفاهم، بحسب التصريحات الأميركية، على توقف الحوثيين عن استهداف السفن الأميركية مقابل وقف الضربات الأميركية ضدهم.

لكن القرار فاجأ بعض المسؤولين الأميركيين وحلفاء واشنطن في اليمن، الذين كانوا يرون أن الحملة بدأت تحقق نتائج ميدانية تستحق الاستمرار.

ونقلت واشنطن بوست عن مسؤول أميركي سابق أن إنهاء العملية تبعه تراجع شبه كامل للاهتمام الأميركي بالملف اليمني.

وفي المقابل، أظهر تحقيق مستقل لوكالة رويترز، نشر في13  مايو 2025، أن الاستخبارات الأميركية التقطت قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار مؤشرات على رغبة الحوثيين في إيجاد مخرج من المواجهة، بعد أسابيع من القصف المكثف.

وهذه المعطيات تقدم تفسيرا مختلفا جزئيا:
فبينما شكك بعض المسؤولين في فعالية العملية، رأى آخرون أن الضغوط العسكرية ساعدت في دفع الحوثيين نحو التهدئة.


اعترافات داخلية بخطورة استنزاف الذخائر

من أكثر ما يلفت الانتباه في تحقيق واشنطن بوست أن الخلاف الذي نشأ عام 2025  بشأن استهلاك الذخائر الأميركية عاد إلى الواجهة خلال الحرب مع إيران في عام 2026

فبحسب الصحيفة، أثار مسؤولون داخل البنتاغون مخاوف من استهلاك صواريخ توماهوك الاعتراضية والهجومية وذخائر الدفاع الجوي المتطورة بوتيرة يصعب تعويض بعضها سريعا.

وأقرت مصادر أميركية بوجود ضغوط على مخزونات أنواع محددة من الذخائر، في حين أكدت إدارة ترامب أن الجيش يمتلك ما يكفي لتحقيق أهدافه العسكرية.

وهذا الاختلاف لا يتعلق بالقدرة الأميركية على شن الضربات فحسب، وإنما بالسؤال عن تكلفة استمرار العمليات ومدى تأثيرها في جاهزية القوات الأميركية لمواجهات أخرى.

عودة الحوثيين إلى التصعيد.. هل تحققت التحذيرات؟

في أكتوبر/تشرين الأول 2026، عاد اليمن إلى واجهة المواجهات الإقليمية.

فقد شهد الأسبوع الماضي هجمات حوثية على أهداف سعودية، بالتزامن مع هجوم مضاد شنته قوات يمنية مدعومة من الرياض على مناطق استراتيجية قرب مضيق باب المندب.

وفي 10  أكتوبر، تعرض مطار الملك خالد الدولي في الرياض لضربة أوقعت 12  قتيلا وأكثر من 300  مصاب وفق حصيلة أولية نقلتها رويترز، قبل تعرض المطار لهجوم إضافي في اليوم التالي.

وتأتي هذه التطورات بعد أقل من عام ونصف على وقف الحملة العسكرية الأميركية التي أعلنت إدارة ترامب أنها حققت أهدافها.

لكن استمرار قدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ والمسيّرات لا يثبت وحده فشل جميع الأهداف العسكرية للعملية السابقة، فهو يوضح أن الحملة لم تزل قدرة الجماعة على شن هجمات جديدة.

وهنا تتجدد الأسئلة التي أثارها المسؤولون الأميركيون قبل بدء العملية:
هل كانت الأهداف العسكرية محددة بما يكفي؟

وهل كان لدى واشنطن تصور لما سيحدث بعد توقف الضربات؟

البنتاغون يرفض اعتبار العملية فاشلة

في رده على تحقيق واشنطن بوست، دافع البنتاغون عن عملية Rough Rider، مؤكدا أنها حققت نجاحا عسكريا حاسما.

وقالت المتحدثة باسم وزير الدفاع، كينغسلي ويلسون، إن الضربات أضعفت شبكات الرادار والدفاع الجوي ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومخازن الأسلحة، وأدت إلى مقتل قادة من المستوى المتوسط والرفيع لدى الحوثيين.

وأضافت أن العملية ساهمت في تقليل التهديد المباشر للملاحة الدولية وتهيئة الظروف لوقف إطلاق النار.

أما البيت الأبيض، فرفض المخاوف المتعلقة بنفاد الذخائر، وأكد أن القوات المسلحة الأميركية قادرة على تلبية الأهداف الاستراتيجية للرئيس.

في المقابل، اعتبر مسؤولون سابقون وخبراء استطلعت واشنطن بوست آراءهم أن وقف العملية المفاجئ وعودة الحوثيين إلى التصعيد يكشفان حدود الاعتماد على الضربات الجوية وحدها لمعالجة أزمة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية.

لماذا تتجاوز القصة حدود اليمن؟

تكشف المداولات الداخلية التي نشرتها واشنطن بوست جانبا من المعضلة التي تواجهها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط:  امتلاك قدرة عسكرية ضخمة لا يلغي صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة.

فالحملة الأميركية ألحقت، وفق التقييم الرسمي، أضرارا واسعة بقدرات الحوثيين، لكنها انتهت بتفاهم محدود النطاق، في حين بقيت القضايا الأساسية للصراع اليمني دون تسوية.

ومع اتساع المواجهة مع إيران وعودة الهجمات على السعودية، أصبحت القرارات التي اتخذت داخل البنتاغون مطلع عام 2025  جزءا من نقاش أوسع بشأن إدارة واشنطن لحروب الشرق الأوسط.

ويبقى السؤال الذي يثيره التحقيق: هل كانت الضربات الأميركية وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية واضحة، أم أن أهداف الحملة العسكرية نفسها ظلت محل خلاف حتى داخل المؤسسة التي نفذتها؟