لم يعد الشرق الأوسط يشبه ذلك الإقليم الذي عرفه العالم بعد نهاية الحرب الباردة. فالمنطقة التي ظلت لعقود تدور في فلك الهيمنة الأمريكية، وتُدار أزماتها عبر تدخلات مباشرة أو تفاهمات ترعاها واشنطن، تشهد اليوم تحولات عميقة تعيد صياغة موازين القوة وتدفع اللاعبين الإقليميين إلى إعادة تعريف مصالحهم وتحالفاتهم.
ولم تكن الحرب في غزة، ثم المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل، سوى محطات كشفت عن واقع جديد كان يتشكل بهدوء منذ سنوات. فالقوى التقليدية لم تعد قادرة على فرض إرادتها منفردة، بينما باتت الدول الإقليمية أكثر استقلالية في قراراتها، وأكثر استعداداً لملء الفراغ الذي خلفه التراجع النسبي للدور الأمريكي.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس من انتصر في آخر مواجهة عسكرية، بل أي نظام إقليمي يتشكل تحت أنقاض النظام القديم.
نهاية مرحلة الأحادية الأمريكية
على امتداد ثلاثة عقود، تمتعت الولايات المتحدة بمكانة القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، مستفيدة من انهيار الاتحاد السوفييتي وغياب منافس قادر على موازنة نفوذها. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت تحولاً تدريجياً في أولويات السياسة الأمريكية، إذ باتت المنافسة مع الصين وروسيا تحتل موقعاً متقدماً في استراتيجية واشنطن، بينما تراجع الشرق الأوسط من كونه مركز الاهتمام الأول إلى ساحة تسعى الإدارة الأمريكية إلى إدارتها بأقل كلفة ممكنة.
هذا التحول لا يعني انسحاباً كاملاً من المنطقة، فالقواعد العسكرية والتحالفات الأمنية ما تزال قائمة، لكنه يعكس رغبة متزايدة في تقاسم أعباء الأمن مع الحلفاء الإقليميين، بدل تحملها بصورة مباشرة كما كان الحال في العقود الماضية.
وبذلك، لم يعد النفوذ الأمريكي يُقاس بقدرته على فرض الحلول، بل بقدرته على منع انهيار التوازنات القائمة.
إيران بين النفوذ الإقليمي وضغوط المواجهة
خلال العقدين الماضيين، استطاعت إيران توسيع حضورها عبر شبكة من الوكلاء والقوى المسلحة المنتشرة في أكثر من ساحة عربية، مستفيدة من فراغات الدولة والصراعات الداخلية. غير أن هذا النموذج واجه خلال الأشهر الأخيرة اختبارات قاسية، بعدما انتقلت المواجهة مع إسرائيل من حروب الوكلاء إلى احتكاكات مباشرة حملت مخاطر غير مسبوقة.
ورغم احتفاظ طهران بأوراق ضغط مهمة، فإنها باتت مطالبة بإعادة تقييم كلفة استمرار استراتيجية المواجهة المفتوحة، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية، وما تفرضه التطورات العسكرية من استنزاف للموارد.
وفي المقابل، لم تنجح إسرائيل في القضاء على مصادر التهديد بصورة نهائية، لكنها أظهرت استعدادًا أكبر لنقل المعركة إلى مستويات أكثر مباشرة، ما يجعل معادلة الردع التقليدية أقل استقراراً مما كانت عليه في السابق.
الخليج... من ساحة تنافس إلى مركز ثقل
أحد أبرز التحولات التي شهدتها المنطقة يتمثل في الصعود المتزايد للدول الخليجية بوصفها لاعبا سياسيا واقتصاديا لا يكتفي بردود الفعل، بل يسعى إلى صياغة المبادرات.
فقد اتجهت دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدولية، مع الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، والانفتاح في الوقت نفسه على الصين والهند وأوروبا، بما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة في بيئة دولية تتسم بتعدد مراكز القوة.
كما أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية أداة رئيسية في السياسة الخارجية الخليجية، حيث تحولت الاستثمارات والطاقة والمشروعات العابرة للحدود إلى وسائل لتعزيز النفوذ الإقليمي، بالتوازي مع جهود خفض التوترات وإعادة بناء قنوات الحوار مع القوى المنافسة.
هذا التحول يعكس انتقالاً من مرحلة الاعتماد الأمني الكامل على القوى الخارجية إلى محاولة إنتاج منظومة توازنات إقليمية أكثر استقلالاً.
تركيا وإسرائيل... أدوار متحركة في مشهد متغير
في الوقت ذاته، تواصل تركيا انتهاج سياسة تقوم على الجمع بين المنافسة والتعاون مع مختلف الأطراف، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وعلاقاتها المتشابكة مع الشرق والغرب.
أما إسرائيل، فرغم تفوقها العسكري، فقد وجدت نفسها أمام بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد التحديات مقتصرة على حدودها المباشرة، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمستقبل علاقاتها مع العالم العربي، وبقدرتها على الحفاظ على مسار التطبيع في ظل استمرار الصراع الفلسطيني.
وهكذا، باتت جميع القوى الإقليمية تتحرك ضمن شبكة من المصالح المتقاطعة، حيث يصعب الحديث عن تحالفات ثابتة أو خصومات دائمة.
الشرق الأوسط في ظل نظام دولي متغير
لا يمكن فصل ما يجري في المنطقة عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي. فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين، والعودة الروسية إلى مسرح السياسة العالمية، أسهما في منح دول الشرق الأوسط مساحة أوسع لإعادة ترتيب خياراتها.
ولم تعد عواصم المنطقة مضطرة إلى الاصطفاف خلف قوة واحدة كما كان الحال في السابق، بل باتت تعتمد سياسات أكثر براغماتية، تقوم على تنويع الشراكات وتوزيع المصالح، بما يقلل من مخاطر الارتهان لمحور واحد.
وفي هذا السياق، تغدو المنطقة جزءاً من مشهد عالمي يتجه نحو التعددية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية، وتصبح القوة الناعمة والقدرة على بناء الشراكات عاملين لا يقلان أهمية عن التفوق العسكري.
نظام جديد... لكن بلا يقين
رغم المؤشرات الواضحة على تغير موازين القوى، فإن الحديث عن نظام إقليمي مستقر ما يزال سابقاً لأوانه. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية تتداخل فيها الحروب مع الدبلوماسية، والمنافسة مع التعاون، والتحالفات مع الحسابات الوطنية المتغيرة.
وقد تكون السمة الأبرز لهذه المرحلة هي غياب اللاعب القادر وحده على رسم مستقبل المنطقة، مقابل صعود توازنات أكثر تعقيداً، تقوم على تعدد مراكز النفوذ وتداخل المصالح.
وبينما تستمر القوى الكبرى في إعادة ترتيب أولوياتها، تبدو دول الشرق الأوسط أمام فرصة تاريخية لإنتاج معادلة أمنية وسياسية أكثر استقلالًا، شرط أن تنجح في تحويل التنافس إلى توازن، والصراع إلى إدارة عقلانية للمصالح.
فربما لا يكون السؤال المطروح اليوم هو من يهيمن على الشرق الأوسط، بل كيف يمكن للإقليم أن يتكيف مع عالم لم يعد يعرف الهيمنة المطلقة، وإنما يتجه نحو توازنات متحركة لا تزال ملامحها قيد التشكل.
المقال: The New Balance of Power in the Middle East: America, Iran, and the Emerging Arabian Axis
الكاتب: Vali Nasr
الناشر: Foreign Affairs



