( إنت إيش؟)

(أنا سوري.)

( شو يعني سوري؟ مسلم ولا درزي؟)

( درزي يا خيي…)

بعدها بدقائق، دوّت طلقات متتالية استقرت في صدر حارس المدرسة الطيب منير الرجمة، قبل أن يعمّ الصمت. لم يكن هذا مشهداً مسرحياً، بل مقطعاً مصوراً وثقته الكاميرا، وشاهده العالم خلال الهجوم على السويداء في الثالث عشر من تموز من العام الماضي. هجوم خلّف آلاف الضحايا، وعشرات القرى المحروقة، ودماراً طال البشر والحجر، وحوّل المحافظة الجنوبية، التي قدمت تضحيات تأسيسية في قيام الدولة السورية، إلى منطقة منكوبة فقدت نخبة من رجالها ونسائها وأطفالها.

يصف كثيرون منير الرجمة بأنه ( السوري الأخير)، بينما يرى آخرون أن مشهده كان المسمار الأخير في نعش الوطنية السورية. أما بالنسبة لي، فالمسألة مختلفة؛ إذ أرى أن الوطنية السورية، بصيغتها التي يُراد التمسك بها اليوم، لم تتجسد أصلاً في مشروع سياسي جامع حتى يقال إنها ماتت. كما أن السلطة القائمة في دمشق ليست عاجزة عن بناء دولة وطنية، بقدر ما تبدو، في بنيتها الفكرية والسياسية، مناقضة لهذا المشروع.

ففي المرجعية الفكرية التي تستند إليها الجماعة الحاكمة، يحتل فقه ابن تيمية مكانة مركزية في النظر إلى المختلف دينياً، بما في ذلك فتواه المعروفة بحق العلويين والدروز. كما تشكل كتابات محمد عبد السلام فرج، ولا سيما كتاب ( الفريضة الغائبة) ، أحد المراجع التي استندت إليها تيارات السلفية الجهادية، إذ يجيز استخدام الخداع في الحرب، ويبيح أساليب قتال تشمل الإغارة دون إنذار، والرمي وإن أدى إلى قتل الذراري، وقطع الأشجار وإحراقها. أما أبو عبد الله المهاجر، في كتابه ( مسائل من فقه الجهاد)، فيتحدث بصورة صريحة عن مشروعية أعمال التخريب في أراضي الخصوم وممتلكاتهم، باعتبارها وسيلة لإيقاع القهر والحسرة بهم.

ولا تبدو هذه المرجعيات بعيدة عن الخطاب الذي عبّر عنه أبو محمد الجولاني في مقابلة سابقة مع أحمد منصور على قناة الجزيرة، عندما سُئل عن القرى الدرزية في إدلب، فأجاب بأن الجماعة أرسلت إليها (دعاتها لتصحيح العقائد). ولم تمضِ سنوات حتى شهدت قرية قلب لوزة مجزرة راح ضحيتها أكثر من عشرين مدنياً، بينهم أطفال.

ورغم ذلك، ما زال بعض من يقدّمون أنفسهم بوصفهم ( النخبة)  يواصلون الدفاع عن سردية الوطنية السورية بوصفها حقيقة قائمة، لا سؤالاً يحتاج إلى مراجعة.