في ثورة عام 1925، فقد جدي يده، وفقد خمسة من أبناء عمومته، وانتهى به المطاف إلى الموت فقيراً عام 1954، بعدما كان يملك عزبة يعمل فيها المرابعون في أراضٍ تقع اليوم داخل الأردن. وبعد قرن تقريباً، فقدتُ خمسة من أقربائي خلال أحداث تموز 2025 في السويداء. بين هذين التاريخين لا تبدو مسألة إرث السويداء بالنسبة إليّ حكاية عن الماضي، بل سؤالاً حياً عن حدود الوفاء للتاريخ، وحق الأحياء في إعادة النظر في المسار الذي ورثوه.

يُقال اليوم، في معرض الاعتراض على التحولات السياسية التي تشهدها السويداء، إن بعض المشاريع المطروحة لا تمثل مجرد موقف سياسي عابر، بل تهدد بمحو إرث كامل بُني خلال قرن تقريباً، منذ الثورة السورية الكبرى وسلطان باشا الأطرش، وما ارتبط بهما من صورة للسويداء بوصفها جزءاً أساسياً من التاريخ الوطني السوري.

وتبدو هذه الحجة قوية، لأن المجتمعات لا تبدأ حياتها السياسية من الصفر كل صباح. لكن السؤال الأساسي يبقى: هل ينبغي للماضي أن يحكم الحاضر؟ أم أن من حق الأحياء إعادة تقييم خيارات أجدادهم عندما تتغير الظروف جذرياً؟

في الاقتصاد والإدارة توجد قاعدة بسيطة تقول إن القرار الجيد لا يُبنى فقط على ما أنفقناه سابقاً، بل على مقارنة المنافع والتكاليف التي ستنتج عن الخيارات المتاحة من الآن فصاعداً. فما خسرناه في الماضي ولا يمكن استعادته يسمى تكلفة غارقة، ومن الخطأ الاستمرار في مشروع فقط لأننا دفعنا ثمنه سابقاً.

ولو نقلنا هذا المنطق إلى السياسة، يمكن أن نسأل: لماذا يجب أن يكون ما اختاره جيل 1925 ملزماً لجيل يعيش اليوم في شروط سياسية وأمنية مختلفة تماماً؟ ولماذا يُفترض أن يحدد الماضي إلى الأبد ما الذي ينبغي أن تريده السويداء؟

في هذا السؤال قدر كبير من المنطق. فالأحياء هم الذين سيدفعون ثمن قرارات الحاضر. لكن المشكلة أن المجتمع ليس شركة، والتاريخ ليس كله تكلفة غارقة. فما حدث خلال قرن لم يختفِ بانتهاء أصحابه، بل أنتج هوية سياسية وذاكرة جماعية وسمعة وعلاقات مع بقية السوريين ورموزاً مشتركة وموقعاً معيناً للسويداء داخل المخيال السوري. وهذه كلها أشياء ما تزال موجودة في الحاضر، وليست مجرد ذكريات.

وهنا يصبح التمييز أساسياً. فإذا قيل إنه يجب أن نبقى على المسار نفسه فقط لأن أجدادنا ماتوا من أجله، فهذه حجة ضعيفة، لأنها تجعل الماضي قيداً أخلاقياً على الأحياء. أما إذا قيل إن تغيير المسار اليوم قد يؤدي إلى خسارة رصيد سياسي ورمزي وعلاقات تراكمت طوال قرن، ولذلك يجب حساب ثمن هذه الخسارة، فنحن أمام حجة مختلفة تماماً.

فالتاريخ هنا لا يعمل كسجن، بل كرأس مال سياسي ما زال قائماً، وقد تكون لخسارته كلفة حقيقية في المستقبل.

وهذا قريب مما يعبّر عنه مفهوم الاعتماد على المسار في علم الاجتماع السياسي والاقتصاد. فالخيارات السابقة لا تحدد المستقبل بصورة آلية، لكنها تغير تكلفة الخيارات اللاحقة. وحين يسير مجتمع لعقود في اتجاه معين، تتشكل حول هذا الاتجاه هويات وعلاقات ومصالح ومؤسسات، ولذلك يصبح الانتقال إلى مسار جديد أكثر تعقيداً من مجرد استبدال خيار بآخر، لأنه يتضمن أيضاً تكلفة مغادرة المسار القديم.

لهذا فإن السويداء اليوم لا تختار على ورقة بيضاء. وأي مشروع سياسي جديد يجب ألا يُقاس فقط بما يعد به، بل أيضاً بما قد يفقده المجتمع عند الانتقال إليه: ما الذي سيكسبه؟ وما الذي سيخسره؟ وما تكلفة الانتقال؟ وما درجة الاعتماد على قوى خارجية؟ وما مدى إمكانية التراجع إذا تغيرت الظروف؟

فالقرارات المتعلقة بالهوية والسيادة والتحالفات ليست قرارات إدارية بسيطة يمكن تجربتها ثم إلغاؤها بلا ثمن. بعضها قد يعيد تشكيل موقع جماعة سياسية كاملة لعقود.

لكن تحويل التاريخ إلى رأس مال لا يعني تحويله إلى سجن. ليس من المنطقي أن يُطلب من الناس تحمّل الخطر أو البقاء في علاقة سياسية يرون أنها لم تعد تؤمّنهم، فقط لأن أجدادهم اختاروا مساراً مختلفاً.

ومن المفارقات أن الصراع على مستقبل السويداء هو، في جانب منه، صراع على معنى ماضيها أيضاً. فمن يعارض المشاريع السياسية الجديدة يستطيع أن يرى في تاريخها مشروعاً وطنياً سورياً ورفضاً للتقسيم، بينما يستطيع مؤيد اتجاه مختلف أن يستحضر من التاريخ نفسه تقاليد الاستقلال المحلي ورفض الخضوع للسلطة المركزية. وفي الحالتين يحاول كل طرف أن يقدم نفسه بوصفه الوريث الحقيقي للتاريخ.

لذلك ينبغي الحذر من خطأين متعاكسين: الأول أن نقول إن السويداء لا يحق لها أن تغير شيئاً لأن لديها إرثاً عمره مئة عام، والثاني أن نتعامل مع هذا الإرث كما لو أنه بلا قيمة، وأن المطلوب فقط حساب مصلحة اللحظة.

كلا الموقفين ناقص. فالعقلانية السياسية لا تعني عبادة الماضي، لكنها لا تعني أيضاً التصرف كما لو أن المجتمع بلا ذاكرة ولا تراكم.

إذن، هل يحق للسويداء أن تنقلب على تاريخها؟

من حيث المبدأ، نعم. يحق لأي مجتمع أن يعيد النظر في خياراته، لأن التاريخ لا يملك سلطة مقدسة على الأحياء. لكن هذا الحق لا يعني أن القطيعة بلا ثمن. فقد تكون تحرراً من مسار لم يعد صالحاً، وقد تكون في الوقت نفسه تبديداً لرأس مال سياسي ورمزي يصعب استعادته.

لذلك فإن السؤال الأكثر جدية ليس: من الوفي ومن الخائن؟ بل: ما الحصيلة الفعلية للخيارات المطروحة؟ ما الذي في هذا التاريخ أصبح عبئاً لا ينبغي أن يحكم المستقبل؟ وما الذي فيه ما يزال أصلاً سياسياً حياً قد لا نكتشف قيمة خسارته إلا بعد فوات الأوان؟

 

مقدام البربور