للمتمسكين بمفهوم الوطن والوطنية
سَقَطَ مفهوم وطنكم ووطنيتكم المصطنعة في سوريا قبل أن يسقط في السويداء. سقط يوم سقطت دمشق في يد التكفيريين، ويوم تحولت لحظة دخولهم إلى العاصمة من كارثة وطنية إلى مشهد احتفالي هلّل له أولئك الذين كانوا بالأمس يرفعون راية الثورة ويتحدثون عن الحرية والكرامة والدولة المدنية.
في تلك اللحظة كان يمكن للسويداء أن تسقط هي الأخرى في اليأس، لكنها لم تفعل. وبقيت متمسكة بالدولة المدنية والديمقراطية، وبقي الشيخ حكمت الهجري، الذي كانت صوره قد رُفعت في مدن و محافظات سورية باعتباره أحد الأصوات التي وقفت في وجه الأسد، متمسكاً بما تبقّى من المعنى الوطني، رغم أن الذين يرفعون اليوم راية الوطنية كانوا بالأمس يهتفون لكل ما يناقضها.
لكن الوطن لا يموت دفعة واحدة؛ يموت حين تتراكم أمام الإنسان الوقائع التي تجبره على الاختيار بين اسمه وبين حياته، بين عَلَمِهِ وبين دمه، بين خريطة الدولة وبين حقه في البقاء. ولهذا لم يكن تموز 2025 مجرد مجزرة أخرى في سجل الدم السوري، بل كان لحظة فاصلة انهارت عندها آخر طبقة من الوهم، عندما داس أحد الإرهابيين المجرمين غير المنتمين للتاريخ أو الإنسانية على صورة سلطان باشا الأطرش، وعندما قُتل منير الرجمة وهو يحاول الاحتماء بما تبقى له من هويته السورية.
لم يكن الرصاص يقتل رجلاً واحداً، بل كان يطلق النار على الفكرة التي طالما قيل لأبناء السويداء إنها تكفي لحمايتهم: فكرة الوطن. ومنذ تلك اللحظة أصبح من العبث مطالبة السويداء بأن تنظر إلى سوريا كوطن وللسوريين جميعهم كإخوة تراب. فمن يريد وحدة سوريا لا يبدأ بقتل السوريين، ولا بنهبهم، ولا بحرقهم، ولا بتكفيرهم، ولا بتحويل الدولة إلى أداة لإخضاعهم، ولا بالتنازل المهين حين يتعلق الأمر بمصالح الجولاني.
الآن اكتشتفم الوطنية فجأة عندما تعلق الأمر بالسويداء!!
من يريد وحدة سوريا حقاً لا يخاف من جماعة تطالب بالحرية، بل يخاف من دولة تفقد قدرتها على حماية مواطنيها. ولذلك فإننا نتفهم تماماً خوف من يتشدقون اليوم بوحدة سوريا؛ لكننا نعرف نفاقكم تماماً كما نعرف الفرق بين خوفكم المصطنع على الوطن لتبرير خوفكم الحقيقي على عرش جزاركم الذي يشبهكم، والذي بُني فوق جماجم الأبرياء.
عرش الإجرام والذل الذي يحتاج إلى قتل الناس كي يحافظ على وحدته لا يدافع عن الوطن، بل يدافع عن نفسه. وعلى التيار الذي يرفع اليوم شعار الوطنية والهوية السورية أن يواجه الحقيقة التي يحاول الهرب منها: مجازر تموز لم تكن مجرد فعل مجموعة من المسلحين، بل كانت امتحاناً أخلاقياً هائلاً للمجتمع السوري كله، ظهرت خلاله وجوه القتل والنهب والتحريض والتكفير والشماتة والخِذلان، وسقطت فيه الأقنعة عن واقع لا يمكن ترميمه بمجرد إعادة إنتاج الشعارات القديمة.
لقد اكتشف أبناء السويداء أن «الهوية السورية» التي يُطلب منهم التشبث بها تحولت لأداة قتل، ولأداة استبداد، ومن مساحة للمواطنة إلى سلاح يُستخدم في وجه من يرفض الخضوع. ولذلك لم يعد السؤال بالنسبة للدروز: هل نحن سوريون؟ فهذا سؤال انتهى. السؤال أصبح: ماذا تعني سوريا؟ وأي سوريا يُطلب منا الدفاع عنها؟ سوريا التي تحمي أبناءها وتصون حريتهم وكرامتهم، أم سوريا التي تريد من الإنسان أن يموت دفاعاً عن اسم لا يحميه؟
هنا تحديداً يجب فهم موقف السويداء. فالدروز لا يعرّفون إسرائيل اليوم وفقاً لسردية صنعتها إسرائيل وحدها، ولا وفقاً لسردية اخترعها الدروز في السويداء؛ إنما وفقاً لواقع خلقته سلطة الجولاني نفسها بالدماء والإرهاب؛ واشترك في ذلك معها ملايين السوريين قتلاً ونهباً وحرقاً وتحريضاً وإنكاراً وخذلاناً. ففرض على أبناء السويداء أن يعيدوا النظر في كل المسلمات التي حكمت علاقتهم بالدولة وبالإقليم.
كان عليكم قبل أن تسألوا أو تطالبوا أبناء الجبل بالتشبّث بالهوية السورية أن تسمعوا أصوات "حي على الجهاد" من مآذن الجوامع. وأن تروا قوافل الغزو الهمجي والإرهاب وهي متجهة باتجاه السويداء. كان عليكم أن تسألوا عن الآلاف من الأبرياء الذين قيل لهم "دروز كفّار" قبل ذبحهم. لكنكم أجبن من أن تسألوا هذا السؤال أو أن تعترفوا بهذه الحقيقة، وباتت الحقيقة التي تريدها السويداء اليوم هي التي ترعبكم لأنها تشكل خطراً على دولة طغيانكم.
من يتهم ابناء الجبل بالعمالة لإسرائيل، إنما يكشف خوفه من شيء أكبر من التصريح نفسه؛ يكشف خوفه من أن تتحول «التهمة» التي كان يستخدمها لتشويه شخص واحد إلى سؤال سياسي جماعي لا يستطيع تجاهله. فالمشكلة لم تعد في أن يقول شخص إن هناك امتداداً دينياً وعقائدياً واجتماعياً بين دروز السويداء وإسرائيل؛ المشكلة أن الواقع نفسه أصبح يفرض على الجميع التعامل مع هذا الامتداد بوصفه حقيقة اجتماعية وسياسية لا يمكن محوها بالشعارات. فالهوية أقدم من الحدود، والروابط الدينية لا تنتهي عند نقاط التفتيش، والجماعات التاريخية لا تصبح جزراً معزولة لمجرد أن الدول رسمت خطوطاً على الخرائط.
سقطت «المعادلة السورية المقدسة» التي طالما جرى التعامل معها باعتبارها حقيقة غير قابلة للمراجعة: سوريا تساوي العروبة، والعروبة تساوي فلسطين، وفلسطين تساوي العداء لإسرائيل، ومن يخرج عن هذه السلسلة يصبح خائناً. لكن هذه المعادلة كشفت هشاشتها بنفسها؛ إذ لا يمكن لنظام أن يرفع العداء لإسرائيل خطاباً ثم يفاوضها ويتنازل لها حين تقتضي مصالحه، ثم يعود ليستخدم اسم إسرائيل كسكين في وجه خصومه الداخليين.
أما الدروز، فقد تغيرت معادلتهم الآن. معادلتهم المقدسة ليست شعاراً جيوسياسياً ولا خطاباً أيديولوجياً مستورداً؛ معادلتهم هي الدم والوجود والبقاء. وعندما تصبح الجماعة أمام سؤال وجودي، فإن كل الأدوات تصبح قابلة للاستخدام، وكل القنوات تصبح قابلة للفتح، وكل علاقة يمكن أن تتحول إلى ورقة، وكل قوة يمكن أن تصبح جزءاً من منظومة الردع، طالما أن القرار النهائي لا يُسلّم لأحد.
الذين يهاجمون السويداء لأنها فتحت باباً كان محرماً عليهم يريدون إعادتها إلى زمن كان فيه مجرد ذكر «سوريا» كافياً لإسكات أي سؤال آخر. لكن ذلك الزمن انتهى. ما قبل تموز 2025 ليس كما بعده. لقد تغيرت الأولويات، وتغيرت اللغة، وتغيرت حدود الممكن. لم تعد الوطنية بالنسبة إلى أبناء السويداء أن يرفع الإنسان العلم ثم ينتظر موته تحت العلم. ولم يعد الانتماء الوطني أن يقبل الإنسان أن تكون هويته ذريعة لإخضاعه. الوطنية التي لم تحمِ الإنسان حين كان يحتاجها لا تستطيع أن تطالبه بأن يجعل منها قدراً أقدس من حياته. ولهذا فإن المعركة اليوم ليست بين «وطنيين» و«انفصاليين» كما يحاول البعض اختزالها، وليست بين من يحب سوريا ومن يكرهها؛ إنها معركة على تعريف الوطن نفسه، وعلى من يملك حق تعريف الهوية، وعلى من يملك حق تحديد مصالح الجماعة وعلاقاتها ومستقبلها.
لقد كشفت السويداء زيفاً أكبر من زيف السلطة نفسها؛ كشفت أن سلطة الإرهاب التي تتحدث باسم الوحدة هي أول من يمزق المجتمع، وأن الذين يصرخون باسم الوطنية هم أول من يحولها إلى أداة إقصاء، وأن الحدود التي تبدو مقدسة في الخطاب السياسي تصبح بلا قيمة عندما يصبح الإنسان داخلها بلا حماية. ولذلك فإن ما يحدث في السويداء ليس حادثة عابرة، ولا نزوة سياسية، ولا رد فعل مؤقتاً على مجزرة؛ إنه إعادة تشكيل عميقة للوعي السياسي لجماعة أدركت أن عليها أن تبني أمنها، وأن تحمي وجودها، وأن توسع علاقاتها، وأن تجعل من موقعها الجغرافي والديني والسياسي مصدراً للقوة لا سبباً للعزلة.
ومن هنا يجب أن يفهم الجميع أن المسألة لم تعد قابلة للحل بإعادة إنتاج الخطاب القديم. فالمجتمع الذي فقد ثقته لن يستعيدها بالتهديد، والجماعة التي اكتشفت هشاشة الضمانات القديمة لن تعود إلى النوم تحتها، ومن ذاق الخوف من الفناء لن يقبل بعد اليوم أن يُطلب منه تقديم وجوده قرباناً لشعار. لقد انكسر كل شيء في تموز 2025، ولن تفلحوا بإصلاح ما انكسر. ومن يظن أن السويداء ستعود إلى ما قبل تموز بمجرد أن يرفع صوته أعلى من أصوات الآخرين، لم يفهم طبيعة التحول. فبعض الأحداث لا تغير المواقف؛ إنها تغير الإنسان الذي يتخذ المواقف. ومنذ ذلك الصيف، لم تعد السويداء تنظر إلى الوطن بوصفه خريطة فقط، ولا إلى الوطنية بوصفها شعاراً، ولا إلى الحدود بوصفها قدراً أبدياً. أصبحت تنظر إلى كل ذلك من سؤال واحد لا يمكن إسكاتُه: هل يحمي هذا الوطن وجودنا وكرامتنا وحريتنا؟ إن كان يفعل، فهو وطن. وإن عجز، فلا يستطيع أحد أن يطلب من الضحية أن تموت دفاعاً عن اسم لم يجدها عندما جاء الموت.
ولهذا فإن من يراقب السويداء اليوم عليه ألا ينشغل كثيراً باستخدام شعارات عفنة لاتهام شعبها بالعمالة، بل بما كشفه موقف أبنائها. لأن الخطر الحقيقي على سلطة الجولاني هو موقفهم بذاته. وحين تتحول الفكرة من همس إلى خطاب، ومن خطاب إلى وعي، ومن وعي إلى إرادة، فإن التاريخ يبدأ بالتحرك بطريقة لا تستطيع البيانات إيقافها. عندها لا تعود القضية قضية رجل، ولا قضية تصريح، ولا حتى قضية سلطة. تصبح قضية شعب قرر أن يعيد تعريف موقعه في التاريخ. ومن يظن أن القوة تعني القدرة على فرض الإرادة على الآخرين لم يفهم القوة الحقيقية؛ فالقوة ليست أن تملك السلاح فقط، بل أن تملك القدرة على البقاء، وأن تمتلك الأرض، وأن تعرف من أنت، وأن ترفض أن يقرر الآخرون مصيرك نيابة عنك.
المعركة التي بدأت في السويداء ليست معركة من يصرخ أكثر، ولا من يهدد أكثر، ولا من يملك القوة الأكبر. إنها معركة أصحاب الأرض والحق والوجود. ومن يملك أرضه وذاكرته وحقه وإرادته، يستحيل شطبه من التاريخ.



