ثمة فكرة تبدو بديهية في الخطاب السياسي الدارج إلى درجة أنها تكاد تتحول إلى عقيدة: إذا أردنا تغيير الواقع، فعلينا أن نبني المؤسسات.

لا أحد تقريباً يعترض على ذلك، فالمؤسسات ضرورية بالفعل. المشكلة تبدأ عندما تتحول ضرورتها إلى نوع من السحر السياسي، بحيث يصبح مجرد إنشاء مؤسسة دليلاً على أننا أنشأنا قدرة على الفعل، وكأن المجلس الذي يحمل اسماً رناناً، والهيكل التنظيمي المرسوم بعناية، واللائحة الداخلية المليئة بالمواد والفقرات، ستستيقظ جميعها ذات صباح وتقرر إنقاذ الواقع. البشر يحبون الأوراق المنظمة على نحو يثير الشفقة أحياناً.


المؤسسة لا تفعل شيئاً بذاتها. إنها لا تقرر، ولا تخاطر، ولا تتحمل كلفة القرار، ولا تقرأ اللحظة السياسية، ولا تميز بالضرورة بين ما ينبغي فعله وما يمكن فعله. البشر هم الذين يفعلون ذلك. والمؤسسة، مهما بلغت درجة تعقيدها، تظل في النهاية طريقة لتنظيم الفعل البشري، وتوزيع الاختصاصات، وحفظ الذاكرة، وإنتاج الاستمرارية. هذا لا يقلل من شأنها، بل يضعها في موضعها الصحيح.

فالمشكلة ليست في المؤسسات، وإنما في المبالغة في قدرتها التلقائية على إنتاج السياسة.

ومن هنا يمكن أن نبدأ من ثلاث طبقات مترابطة: البنية تحدد مجال الممكن، والمؤسسة تنظّم الممكن، لكن الفرد السياسي يحدد ما الذي سيُفعَلُ فعلاً داخل هذا المجال.

هذه ليست محاولة لإعادة الاعتبار إلى ’الرجل العظيم‘ في التاريخ، ولا دعوة إلى عبادة الزعيم، ولا إنكاراً لقوة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والدولية. الفرد لا يعمل في فراغ، ولا يستطيع أن يجعل المستحيل ممكناً بمجرد امتلاكه الإرادة. لكن الخطأ المقابل لا يقل خطورة: أن نتصور أن البنى والمؤسسات تنتج السياسة بصورة آلية.

البنية لا تنتج نتيجة واحدة بالضرورة، وإنما تفتح مجالاً من الإمكانات. والمؤسسة تنظّم هذا المجال وتضع القواعد التي تجعل بعض الأفعال أسهل من غيرها، وتوزع الصلاحيات، وتحد من الفوضى، وتخلق قدراً من الاستمرارية.

لكن شيئاً ما يظلّ ناقصاً.

في كل لحظة سياسية توجد داخل الحدود التي تفرضها البنية والمؤسسات بدائل متعددة. وقد تكون هذه البدائل ضيقة للغاية، لكنها موجودة. شخص ما يجب أن يختار بينها. هنا يظهر الفرد السياسي.

إنه ليس خارج البنية، لكنه ليس مجرد انعكاس لها أيضاً. إنه يعمل داخلها، ويستفيد من إمكاناتها، ويصطدم بقيودها، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يوسع بعض إمكاناتها، ويهدر بعضها الآخر، ويعيد ترتيب الأولويات، ويحول مورداً هامشياً إلى ورقة قوة، أو يحول فائضاً من القوة إلى عبء.

ولهذا، فإن القيادة السياسية لا تعني امتلاك القوة بقدر ما تعني القدرة على تحويل الموارد المتاحة إلى قدرة على الفعل. فقد تمتلك جماعة ما جيشاً وسلاحاً ومالاً وأرضاً ومؤسسات وعلاقات دولية، ومع ذلك تكون عاجزة عن تحقيق غاياتها السياسية. وقد تمتلك جماعة أخرى موارد محدودة للغاية، لكنها تستطيع فرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاهله.

لو كانت العلاقة بين الموارد والنتائج السياسية خطيّة، لما حدث ذلك. لكنها ليست كذلك. فالموارد لا تتحول وحدها إلى قوة سياسية. إنها تحتاج إلى قرار يحدد كيفية استخدامها، وإلى إرادة تتحمل كلفة استخدامها، وإلى قدرة على تعبئة الآخرين، وإلى قراءة للخصم وللبيئة المحيطة، وإلى معرفة باللحظة التي ينبغي فيها التمسك بالموقف واللحظة التي ينبغي فيها تغييره. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى القيادة بوصفها فن إنتاج عدم التناسب بين الموارد والنتائج. فقيمة القيادة لا تظهر عندما تكون النتيجة مساوية تقريباً لحجم الموارد المتاحة، بل عندما يستطيع الفاعل السياسي إنتاج أثر يتجاوز تلك الموارد بكثير.

من هنا تنشأ مفارقة مهمة. نحن نميل عادة إلى الاعتقاد بأن القائد يحتاج إلى القوة لكي يقود. لكن يمكن النظر إلى المسألة من الاتجاه المعاكس أيضاً: القيادة نفسها واحدة من الآليات التي تنتج القوة السياسية. فالجيش قوة عسكرية، لكنه لا يصبح تلقائياً قوة سياسية. يحتاج إلى قرار يحدد متى يُستخدم، ولأي غاية، وما النتيجة السياسية المراد إنتاجها من استخدامه. والسلاح لا يصبح ورقة تفاوضية لمجرد امتلاكه، بل عندما يقتنع الخصم بأن صاحبه قادر ومستعد لاستخدامه، وأن كلفة تجاهله ستكون أعلى من كلفة التعامل معه. والأمر نفسه ينطبق على المال والأرض والمؤسسات والعلاقات الخارجية والشرعية الاجتماعية. كل هذه موارد، أما القيادة فهي القدرة على تركيبها في فعل سياسي ذي غاية. ولهذا ربما كان السؤال الخطأ الذي نطرحه عن القادة هو: كم يملكون؟ والسؤال الأصح: ماذا استطاعوا أن يفعلوا بما يملكون؟ ثم يأتي السؤال الأكثر كشفاً: ماذا يستطيع القائد أن يفعل عندما لا يملك شيئاً تقريباً؟


 هنا تظهر القيادة بأوضح صورها، لأن القائد المحروم من الموارد لا يستطيع الاختباء خلفها. عليه أن ينتج القوة من مصادر أخرى: من الشرعية، ومن الثقة، ومن التعبئة، ومن التوقيت، ومن القدرة على جعل موقف جماعته قابلاً للتحول إلى كلفة على الخصم، ومن معرفة ما ينبغي فعله وما ينبغي الامتناع عنه. لكن إعادة الاعتبار إلى الفرد السياسي لا تعني العودة إلى فكرة ’الرجل العظيم‘ بوصفه صانع التاريخ الوحيد. فهذه الفكرة لا تقل تبسيطاً عن الحتمية البنيوية التي تختزل السياسة في الهياكل والقواعد. فالقائد لا يعمل خارج التاريخ، ولا يبدأ من صفحة بيضاء، ولا يستطيع أن يجعل كل شيء ممكناً بمجرد امتلاكه الإرادة أو الكاريزما أو الشجاعة. هناك دائماً بنية تسبقه. هناك مجتمع له مصالحه ومخاوفه وذاكرته، واقتصاداً يفرض بعض القيود، وجغرافيا لا يمكن التفاوض معها، وتوازنات إقليمية ودولية، ومؤسسات قائمة، وشبكات من المصالح والقوى، وحدود لما يمكن فعله وما لا يمكن فعله.

كل ذلك يحدد مجال الحركة. لكن تحديد المجال ليس تحديداً للنتيجة، وهنا يكمن الفرق.



البنية تفسر لماذا كان شيء ما ممكناً، لكنها لا تفسر وحدها لماذا حدث هذا الشيء تحديداً.

الفرد لا يختار العالم الذي بدأ منه، لكنه يشارك في تحديد العالم الذي سينتهي إليه. ومن هذه الزاوية يصبح من المفيد النظر إلى حالتين معاصرتين هما الجنرال مظلوم عبدي والشيخ حكمت الهجري. لا لأن أحدهما يمثل ’النموذج الصحيح‘ والآخر يمثل ’النموذج الخاطئ‘، ولا لأن الغرض هو إصدار حكم أخلاقي أو سياسي على أي منهما. ما يعنينا هو أن الرجلين يقدمان حالتين مختلفتين للغاية لاختبار مفهوم القيادة السياسية.

كان الجنرال مظلوم عبدي، في مرحلة طويلة من مسيرته، في موقع سمح له بامتلاك موارد استثنائية قياساً بمعظم القوى المحلية السورية: قوة عسكرية منظمة، مساحة جغرافية واسعة، مؤسسات مدنية وعسكرية، موارد اقتصادية، دعم أميركي، بالإضافة إلى موقع دولي اكتسبته قواته من الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

أما الشيخ حكمت الهجري فظهر في سياق يكاد يكون معكوساً: مجتمع أصغر، موارد شبه معدومة، غياب قوة عسكرية نظامية، غياب مظلة دولية مماثلة، ضغط سياسي وعسكري واقتصادي هائل.

إذا كانت القيادة مجرد انعكاس لحجم الموارد، فينبغي أن تكون المقارنة محسومة سلفاً. لكنها ليست كذلك.



الجنرال عبدي: حين لا تكفي الموارد


ليست المسألة هنا ما إذا كان الجنرال عبدي ’نجح‘ أو ’فشل‘. هذا حكم سياسي وأخلاقي مختلف، كما أن نتيجة أي مسار لا يمكن تفسيرها بشخص واحد في منطقة تتداخل فيها واشنطن وأنقرة ودمشق وموسكو وطهران وتل أبيب وغيرها.

المسألة أكثر تحديداً: ماذا فعل القائد بمجال الممكن الذي كان متاحاً له؟

لقد امتلكت قسد في مرحلة معينة مجالاً واسعاً من الممكن السياسي. كانت لديها قوة عسكرية منظمة، وأرض، ومؤسسات، وموارد، ودعم دولي، وورقة تفاوضية لا يمكن تجاهلها. لكن امتلاك الموارد لا يعني امتلاك السيطرة على الشروط التي تجعل هذه الموارد قابلة للاستمرار. وهذه نقطة جوهرية.

قد يمتلك القائد قوة عسكرية، لكنه لا يملك قرار الحليف الذي يتيح استمرار هذه القوة. وقد يملك أرضاً، لكنه لا يملك البيئة الإقليمية التي تجعل السيطرة عليها قابلة للتحول إلى تسوية سياسية دائمة. وقد يملك مؤسسة قوية، لكنه لا يملك وحده القدرة على تحديد النظام السياسي الذي ستندمج فيه هذه المؤسسة غداً.

في نهاية آب/أغسطس 2026 انتهى المسار إلى إعلان حل قسد ودمج قواتها في الجيش العربي السوري، ثم تعيين عبدي مستشاراً للرئاسة السورية. هذه الوقائع وحدها لا تقول إن عبدي كان قائداً سيئاً، ولا تثبت أن نتيجة أخرى كانت ممكنة بالضرورة. لكنها تكشف شيئاً يهمنا أكثر: القوة التي كانت تملكها قسد لم تكن كافية وحدها لضمان استمرارية استقلالية الفعل السياسي الذي مثلته.

وهنا يصبح الفرق بين القوة والقيادة واضحاً. القيادة ليست مجرد القدرة على الوصول إلى طاولة المفاوضات، بل القدرة على الوصول إليها بشروط تسمح لك بالتأثير في شكل التسوية التي ستخرج منها. قد تكون التسوية نفسها عقلانية، وقد تكون ضرورية، وقد تكون أفضل خيار متاح في لحظة معينة. لكن السؤال النظري يظل قائماً: هل كان القائد يدير عملية إعادة تعريف لموقعه السياسي، أم كان يدير عملية انتقال تدريجي للقوة التي امتلكها إلى مركز سياسي آخر؟

هذا هو السؤال الذي يهمنا، لا الحكم على الرجل.

فالقائد لا يختار دائماً بين النصر والهزيمة. أحياناً يختار بين أنواع مختلفة من الخسارات والمكاسب، وبين تسويات تحفظ جوهر موقعه السياسي وتسويات تنهيه، وبين التنازل عن جزء من القوة للحفاظ على الجزء الأكثر أهمية منها، وبين تحويل القوة العسكرية إلى أصل سياسي طويل الأمد أو استهلاكها في مسار ينتهي بفقدان استقلالية القرار. وهنا لا تعود القضية عسكرية. إنها قضية قيادة.


الشيخ حكمت الهجري: حين تصنع القيادة قوة


إذا كانت حالة المستشار مظلوم عبدي تضعنا أمام سؤال ما الذي يستطيع القائد أن يفعله عندما يمتلك فائضاً نسبياً من الموارد، فإن حالة الشيخ الهجري تضعنا أمام السؤال المعاكس تماماً.

ما الذي يستطيع الفرد السياسي أن يفعله عندما تكون الموارد المتاحة له محدودة إلى هذا الحد؟

هنا تصبح القيادة أكثر وضوحاً، لأن القائد لا يستطيع أن ينسب فاعليته إلى حجم القوة التي ورثها أو إلى مؤسسة مكتملة سبقت ظهوره. عليه أن ينتج القوة السياسية من موارد أولية محدودة.

لم يكن موقع الشيخ الهجري شبيهاً بموقع قيادة قسد. لم يكن وراءه جيش نظامي كبير، ولا إدارة تسيطر على مساحة واسعة من البلاد، ولا موارد اقتصادية تقارن بموارد شمال شرق سوريا، ولا شراكة عسكرية دولية مماثلة. كان موقعه في الأساس، موقع سلطة روحية واجتماعية داخل مجتمع محلي صغير في دولة تعيش مرحلة انتقالية شديدة الاضطراب. لكن شيئاً ما حدث. تحولت المكانة الاجتماعية إلى قدرة سياسية، وهذه نقطة جوهرية في فهم القيادة. فالسلطة السياسية لا تأتي دائماً جاهزة في شكل جيش أو وزارة أو ميزانية. قد تكون كامنة في الثقة الاجتماعية، أو في الشرعية الرمزية، أو في القدرة على تمثيل جماعة ما في لحظة تشعر فيها أن مصالحها وأمنها مهددان. والقائد السياسي هو الذي يستطيع، في ظروف معينة، تحويل هذا الرصيد الرمزي إلى فعل منظم.

هذا لا يعني أن الشيخ الهجري صنع وحده ما حدث في السويداء. ولم يكن المجتمع المحلي مجرد أداة في يده. هناك تاريخ اجتماعي، وقوى محلية، وفصائل مسلحة، وحراك مدني، ومصالح متشابكة، وظروف إقليمية ودولية، وكلها شاركت في إنتاج المشهد.

لكن هذه العناصر لا تلغي دور الفرد. فالسؤال ليس: هل صنع الهجري كل شيء؟

السؤال هو: لماذا أصبح هذا الفرد أهم مركز لإنتاج القرار داخل هذه البنية؟ وهذا سؤال مختلف تماماً. فالقيادة ليست قدرة شخص على تحريك الآخرين كما يشاء. إنها القدرة على إنتاج الفاعلية الجماعية.


حين يكون لدى الدولة جهاز قانوني تستطيع من خلاله فرض سلوك معين، فإنها تمارس سلطة. أما حين يستطيع فرد لا يمتلك جهاز الدولة أن يجعل موقفاً سياسياً معيناً يتحول إلى سلوك جماعي، فنحن أمام شيء مختلف: شرعية تنتج الفعل من دون أن تستند بالضرورة إلى احتكار أدوات الفَرْض. هنا يصبح الرصيد الاجتماعي مورداً سياسياً. الثقة مورد. التمثيل مورد. القدرة على التعبئة مورد. التوقيت مورد. حتى الضعف نفسه يمكن في بعض الظروف أن يتحول إلى مورد إذا استطاع القائد أن يجعل استخدام القوة ضده أكثر كلفة على خصمه من تقديم تنازل له. وهنا تظهر إحدى أهم وظائف القيادة: تحويل ما لا يبدو مورداً إلى مورد سياسي، وهذا ما يجعل العلاقة بين القوة والقيادة غير خطية. فقد تبدأ الجماعة بموارد قليلة، لكن القيادة تستطيع أن تجمع الموارد المتناثرة، وأن تمنحها اتجاهاً، وأن تحولها من إمكانات منفصلة إلى قدرة جماعية على الفعل.

ومن هنا يمكن أن نفهم كيف تحولت، في حالة السويداء، المكانة الاجتماعية والسياسية إلى قوة تفاوضية، ثم أحاطت بها تدريجياً بنى أمنية وإدارية وسياسية أكثر تنظيماً.

مجدداً، لا يعني ذلك أن هذه البنى من صنع شخص واحد، بل يعني أن الفرد كان جزءاً من عملية تحويل المجتمع من مجرد جماعة اجتماعية إلى فاعل سياسي. وهذه في النهاية، إحدى أهم وظائف القيادة.

هكذا تصبح المقارنة بين الرجلين أكثر وضوحاً:

عبدي، الجنرال السابق والمستشار الحالي، يتيح لنا رؤية قائد بدأ من فائض نسبي في الموارد، لكنه واجه مشكلة تحويل هذا الفائض إلى قدرة سياسية مستقلة قابلة للاستمرار.

الشيخ الهجري يتيح لنا رؤية قائد بدأ من ندرة شديدة في الموارد، لكنه استطاع أن يحول رصيداً اجتماعياً ورمزياً إلى قدرة سياسية، وأن يجعل جماعته أكثر قدرة على الفعل مما كانت عليه قبل أن تتبلور قيادته.

مجدداً، لا يعني هذا أن أحد الرجلين ’انتصر‘ والآخر ’انهزم‘، فهذه ليست مباراة لكرة القدم، رغم أن السياسة السورية كثيراً ما تُناقش بالطريقة نفسها.

ما تكشفه المقارنة هو شيء آخر: قد تكون القوة أكبر من القدرة السياسية على استخدامها، وقد تكون القدرة السياسية أكبر من القوة التي تستند إليها. وهنا تظهر قيمة القيادة. فالقوة مادة خام، والمؤسسة أداة لتنظيمها، لكن القيادة هي القدرة على تحديد الاتجاه الذي ستذهب إليه هذه القوة، وعلى إنتاج قوة جديدة من الموارد التي لا تبدو، في البداية، قوة.

يعيدنا هذا إلى المؤسسات التي بدأنا منها. المؤسسة ضرورية لأنها تمنح الفعل استمرارية، وتمنع الجماعة من الارتهان الكامل للأفراد، وتحفظ الخبرة، وتوزع الاختصاصات، وتضع قواعد يمكن أن تستمر بعد رحيل أصحابها. لكن المؤسسة لا تلغي الفرد. بل إن المؤسسة القوية هي التي تستطيع أن تستوعب القيادة من دون أن تتحول إلى عبادة للفرد، وأن تستمر بعده من دون أن تتحول إلى جهاز بلا اتجاه.

 المشكلة إذن ليست في أن نعطي الفرد أكثر مما يستحق، وإنما في ألا نعطيه أقل مما يفعل. فالمؤسسات لا تتحرك وحدها، والبنى لا تختار نيابة عن البشر، والقوة لا تحدد وحدها كيفية استخدامها. ففي كل لحظة سياسية هناك شخص أو مجموعة أشخاص يقررون: هذا هو الممكن الذي سنحاول تحويله إلى واقع. هنا تحديداً يبدأ الفعل السياسي. لذلك فإن الحديث عن المؤسسات يجب ألا يتحول إلى هروب من المسؤولية السياسية. نحتاج المؤسسات كي لا يبقى كل شيء رهناً بفرد، لكننا نحتاج إلى الفرد السياسي كي لا تتحول المؤسسات نفسها إلى هياكل تنتظر أن تُمنح الحياة.

البنية تحدد مجال الممكن، والمؤسسة تنظّم الممكن، لكن الفرد السياسي يحدد ما الذي سيُفعل فعلاً داخل هذا المجال. ربما هذه هي النقطة التي نحتاج إلى استعادتها اليوم، لا لكي نعود إلى زمن الزعيم الفرد، بل لنتعلم شيئاً أبسط وأكثر واقعية: التغيير السياسي لا تصنعه المؤسسات وحدها، كما لا يصنعه الأفراد وحدهم. إنه يحدث عندما يجد فرد قادر، داخل بنية معينة، طريقة لتحويل الإمكان إلى فعل.

الفرد لا يختار العالم الذي يبدأ منه، لكنه يشارك في تحديد العالم الي سينتهي إليه. وهناك، بين ما تسمح به البنية وما تفعله المؤسسة وما يختاره الإنسان، تحدث السياسة.



مراجع للاستزادة والخلفية النظرية:

ينطلق المقال من النقاش النظري حول البنية والفعل، ومن الأدبيات التي تناولت القيادة السياسية ومفاهيم القوة والسلطة والشرعية. وللقارئ الراغب في التوسع:

Anthony Giddens, The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration (1984). لا سيما الفصل الأول.

Margaret S. Archer, Culture and Agency: The Place of Culture in Social Theory (1988). ولا سيما الأجزاء المتعلقة بعلاقة البنية بالفعل والقدرة على إحداث التحول الاجتماعي.

James MacGregor Burns, Leadership (1978). ولا سيما مباحث القيادة السياسية والعلاقة بين القائد والأتباع.

Max Weber, Economy and Society. ولا سيما مباحث أنماط السلطة والشرعية والسلطة الكاريزمية.