لم تكن مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران حدثاً معزولاً عن سياق السنوات العشر الماضية، بل جاءت انعكاساً لتحولات عميقة أصابت بنية النظام الدولي وتوازنات الشرق الأوسط معاً. فالمذكرة، التي أعادت الملف النووي الإيراني إلى واجهة الدبلوماسية، تطرح سؤالاً يتجاوز بنودها التقنية: هل نحن أمام إحياء لاتفاق عام 2015، أم أمام مقاربة أميركية جديدة تتعامل مع إيران بمنطق مختلف تماماً؟
عندما وقّعت إدارة الرئيس باراك أوباما خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015، كانت الرؤية الأميركية تقوم على فرضية واضحة: تجميد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات، بما يفتح الباب أمام إدماج إيران في النظام الدولي ويقلّل احتمالات المواجهة العسكرية.
أما اليوم، فإن البيئة التي وُلدت فيها مذكرة التفاهم الجديدة تختلف جذرياً. فالعالم لم يعد عالم عام 2015، وإيران نفسها لم تعد الدولة ذاتها، كما أن الولايات المتحدة باتت تواجه أولويات استراتيجية أكثر تعقيداً تمتد من المنافسة مع الصين إلى الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
من اتفاق دائم إلى تفاهم مرحلي
أبرز ما يميز اتفاق 2015 أنه كان مشروعاً متكاملاً طويل الأمد، تضمن التزامات تقنية وقانونية مفصلة بشأن مستويات تخصيب اليورانيوم، وعدد أجهزة الطرد المركزي، وآليات التفتيش التي تشرف عليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية.
أما مذكرة التفاهم الجديدة فتبدو أقرب إلى إطار سياسي يهدف إلى وقف التصعيد وفتح نافذة تفاوضية جديدة، أكثر من كونها اتفاقاً نهائياً يعالج جميع الملفات العالقة.
وهذا التحول يكشف تغيراً في العقل السياسي الأميركي؛ فواشنطن لم تعد تتعامل مع الملف النووي باعتباره أزمة قابلة للحل مرة واحدة، بل باعتباره ملفًا يحتاج إلى إدارة مستمرة للمخاطر، في ظل بيئة إقليمية شديدة التقلب.
عقد كامل غيّر قواعد اللعبة
يصعب فهم الفارق بين الوثيقتين دون النظر إلى التحولات التي شهدها العالم خلال العقد الأخير.
فعام 2015 كانت الولايات المتحدة القوة الدولية الوحيدة القادرة على فرض إيقاعها السياسي، بينما كانت الصين لا تزال في مرحلة الصعود الاقتصادي، وكانت روسيا شريكاً في المفاوضات النووية قبل أن تتحول لاحقاً إلى خصم استراتيجي للغرب.
اليوم تبدو الصورة مختلفة تماماً.
فالحرب في أوكرانيا أعادت رسم أولويات الأمن الأوروبي، فيما باتت المنافسة مع الصين تتصدر الاستراتيجية الأميركية. وفي الشرق الأوسط، تعاقبت أزمات متلاحقة أعادت الاعتبار إلى حسابات الردع العسكري بعد سنوات من الرهان على الدبلوماسية وحدها.
في المقابل، واصلت إيران تطوير برنامجها النووي، ورفعت مستويات التخصيب، ووسعت قدراتها التقنية، ما جعل العودة إلى معادلة عام 2015 أمراً بالغ الصعوبة.
الاختلاف ليس في البنود... بل في الفلسفة
قد تبدو بعض عناصر المذكرة الجديدة متقاربة مع اتفاق 2015 من حيث الحديث عن التخصيب والرقابة والعقوبات، إلا أن الاختلاف الحقيقي يكمن في الفلسفة السياسية التي تحكمها.
فإدارة أوباما تعاملت مع الاتفاق بوصفه مشروعاً لإعادة بناء الثقة بين واشنطن وطهران، انطلاقاً من قناعة بأن الانفتاح الاقتصادي يمكن أن يخلق ديناميات سياسية جديدة داخل إيران.
أما المقاربة الحالية فتقوم على منطق أكثر براغماتية؛ إذ يبدو أن الهدف لم يعد تغيير سلوك إيران بصورة شاملة، وإنما منع انفجار مواجهة إقليمية جديدة، والحفاظ على سقف يمكن من خلاله إدارة الأزمة دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
بعبارة أخرى، انتقلت واشنطن من سياسة (حل الأزمة) إلى سياسة (منع انهيارها).
إيران أيضاً تفاوض من موقع مختلف
كما تغيّرت الحسابات الأميركية، تبدلت أيضاً حسابات طهران.
فإيران التي دخلت مفاوضات 2015 وهي ترزح تحت عقوبات اقتصادية خانقة، تدخل اليوم أي تفاوض وهي تمتلك خبرة تفاوضية أوسع، وبرنامجاً نووياً أكثر تقدماً، وشبكة نفوذ إقليمي راكمتها خلال سنوات الصراع في الشرق الأوسط.
هذا الواقع يمنحها أوراق ضغط إضافية، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه تحديات اقتصادية داخلية تجعل أي انفراج في ملف العقوبات ذا أهمية بالغة.
ومن هنا، تبدو المذكرة الجديدة محاولة لتحقيق توازن بين ضرورات الأمن القومي الإيراني والحاجة إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية، دون تقديم تنازلات جوهرية تمس عناصر القوة التي راكمتها خلال العقد الماضي.
ما الذي تغيّر في العقيدة الأميركية؟
إذا كان اتفاق 2015 يعكس ذروة الرهان الأميركي على الدبلوماسية متعددة الأطراف، فإن المذكرة الجديدة تعكس سياسة أكثر حذراً وواقعية.
فالولايات المتحدة لم تعد تبحث عن (اتفاق تاريخي) بقدر ما تبحث عن آلية تمنع تفجر الأزمات في لحظة تشهد فيها انخراطاً استراتيجياً في أكثر من ساحة دولية.
كما أن إدارة الملف النووي أصبحت جزءًا من رؤية أشمل تتداخل فيها اعتبارات أمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية، والعلاقة مع الحلفاء الإقليميين، فضلاً عن المنافسة مع القوى الكبرى.
ولهذا، فإن أي تفاهم جديد مع إيران لم يعد يُقاس فقط بعدد أجهزة الطرد المركزي أو نسبة التخصيب، بل بقدرته على خفض احتمالات التصعيد الإقليمي وإتاحة هامش أوسع للحركة الدبلوماسية.
هل عاد اتفاق 2015؟
الإجابة المختصرة هي: لا.
فحتى لو تشابهت بعض العناوين، فإن البيئة الاستراتيجية التي وُلدت فيها المذكرة الجديدة تختلف جذرياً عن تلك التي أنتجت اتفاق عام 2015.
لقد تغيّرت موازين القوى، وتبدلت أولويات واشنطن، وتقدمت القدرات النووية الإيرانية، كما أصبحت المنطقة أكثر هشاشة وتشابكاً من أي وقت مضى.
لهذا، تبدو مذكرة التفاهم الجديدة أقل طموحاً من اتفاق أوباما، لكنها في المقابل أكثر انسجاماً مع واقع دولي يقوم على إدارة الأزمات بدلاً من إنهائها.
وربما تكمن أهميتها الحقيقية في أنها لا تمثل عودة إلى الماضي، بل محاولة لإيجاد صيغة تفاوضية جديدة لعالم تغيّرت فيه قواعد السياسة الدولية، وأصبحت التسويات المرحلية أكثر واقعية من الاتفاقات الكبرى التي كانت تُقدَّم يوماً بوصفها حلولاً نهائية.



