في اللحظات التاريخية الكبرى، لا تبنى السياسات على السرديات العاطفية، بل على قراءة باردة لموازين القوى. وإذا كان مقال خضر الغضبان موظف جنبلاط ورسوله إلى جبهة النصرة في إدلب خلال السنوات الماضية الذي نشره في موقع المجلة السعودي، وتناول فيه دور "الموحدين الدروز" قد انطلق من ثنائية الإرث مقابل المغامرة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في التساؤل: هل ما زالت الأدوات التاريخية القديمة صالحة لحماية الوجود في شرق أوسط لم يعد يشبه نفسه؟
السياسة كفنّ للبقاء لا كفحص للوطنية
يتحدث المقال عن "الحياد الذكي" و"حفظ الرأس"، وهي مفاهيم تبدو مثالية من الناحية النظرية، لكنها تصطدم بواقع الجغرافيا المشتعلة. إن ما وصفه الغضبان بـ"اليمين الدرزي الجديد" أو "النهضة الإعلامية المزعومة"، ليس في جوهره إلا انعكاساً طبيعياً لفشل "الدولة المركزية" في تأمين العقد الاجتماعي والحماية لمكوناتها.
فعندما تصبح الهوية الوطنية الجامعة مجرد شعار تستخدمه الأنظمة لتبرير الارتهان لمشاريع إقليمية (شرقاً أو غرباً)، يصبح من حق الجماعات، أي جماعة، البحث عن أمنها الموضعي الذي يحمي وجودها.
إن اتهام أي حراك يسعى للخصوصية بأنه "مشروع إسرائيلي" هو استحضار للغة "التخوين التقليدية" التي استُهلكت على مدار عقود. فالواقعية السياسية تقتضي القول إن الجماعات لا تذهب نحو خيارات انتحارية إلا عندما تُسد في وجهها كل نوافذ الطمأنينة الوطنية.
جنوب سوريا 2025: هل هي خيانة للإرث أم صرخة نجاة؟
توقف المقال طويلاً عند أحداث جنوب سوريا صيف 2025، واصفاً إياها بالانحراف عن النهج التاريخي. ولكن، ألا يستحق الأمر قراءة من زاوية أخرى؟ هل كان المطلوب من دروز الجبل أن يبقوا "حرس حدود" لمشاريع إقليمية استنزفت دماءهم وشبابهم لسنوات؟
إن تشبيه ما جرى بـ"جيش لبنان الجنوبي" هو قفزة في الفراغ التحليلي؛ فشتان بين عمالة منسقة وبين "ترتيبات حدودية" تفرضها ضرورة النزوح والتهجير وغياب البديل الوطني.
إن الدور التاريخي الذي يتغنى به الغضبان لم يكن له ولسيده من قبله ووالد سيده من قبلهما أي دور فيه .. فهذا الدور التاريخي يستند إلى قاعدة دماء أبناء السويداء الشهداء الذي قضوا في سبيل بناء وطن خانهم بعد مئة عام على ثورتهم، ولا زالت صور الحشود اللبنانية التي حجّت إلى القريا للتبارك بسلطان الدروز سلطان الأطرش حاضرة وتؤرخ تلك الحقبة.
لسنا بوارد الخوض اليوم في تاريخ أسياد الغضبان، ولو أردنا ذلك لكتبنا مجلدات عن بدايات الإقطاعية الجنبلاطية العثمانية، ولأكملناها بمجلدات عن خيارات كمال جنبلاط الانتحارية بحق الدروز حين تلاعب به ياسر عرفات لمواجهة اللبنانيين.
إن تغني بتاريخ ناصع كتبه سلطان الأطرش ورفاقه في سوريا، ليس قدراً محتوماً يفرض على الدروز اليوم الانتحار من أجل صورة ذهنية يرضى عنها المحيط، بل هو مسؤولية القيادة في تجنيب أهلها ويلات الحروب العبثية، وتجنيبهم ويلات الاستسلام أمام العثمانية الجديدة وولاتها في دمشق.
"القومية" والبحث عن الهوية في زمن التفكك
أما الحديث عن "القومية الدرزية" بوصفها اختراعاً إسرائيلياً، فهو تبسيط مخلّ لديناميكيات الهوية. الهويات في الشرق الأوسط اليوم في حالة سيولة، فالموحدون الذين اعتزوا بعروبتهم "المنفتحة" (كما أرادها كمال جنبلاط)، يجدون أنفسهم اليوم أمام عروبة "مسجونة" أو "مختطفة" من قبل أيديولوجيات دينية وإثنية لا تعترف بالآخر وتستبيح دمه.
إن القول بأن الدروز "مذهب إسلامي وليسوا قومية" هو حقيقة تاريخية، لكن تحول الجماعة نحو "السلوك القومي" هو رد فعل سياسي وليس تأصيلاً مذهبياً، هو محاولة لصناعة "كتلة حرجة" قادرة على التفاوض في زمن لا يحترم إلا الأقوياء والمنظمين.
المسؤولية التاريخية والجرأة الفكرية
ختم الغضبان مقاله المسيس وفق مصالح واليه بدعوة مَن يملك الجرأة ليعلن موقفه بوضوح! والرد على ذلك هو أن الجرأة الحقيقية تكمن في الاعتراف بأننا أمام "شرق جديد" لا تنطبق عليه خرائط 1920 ولا شعارات 1948.
إن التمسك بالإرث لا يعني التحنط داخل خيارات الماضي. والمواجهة اليوم ليست بين "خيار إسرائيلي" و"خيار عربي"، بل هي بين خيارات "البقاء أو الفناء.
الدروز اليوم لا يحتاجون إلى "فحوصات وطنية" من أحد، فتاريخهم في الدفاع عن الأرض والجغرافيا مسجل بالدم، لكنهم بالتأكيد يحتاجون إلى "عقل سياسي" يرفض أن يكون وقوداً لمعارك الآخرين تحت مسميات "العروبة" أو "المقاومة" التي لم تجلب لهم في العقد الأخير سوى التهميش والتهجير، عقل يغلب مصلحة الدروز على مصلحته في بقاء الإقطاعية العثمانية التي ورثها، وربما نستطيع أن ننصح الغضبان وواليه بأن يتمعنوا جيدا في كلمة الشيخ أمين الصايغ الأخيرة، فربما تساعدهم على فهم التحولات الجذرية التي تعصف بالدروز في زمن الجهاديين التكفيريين.
إن حماية الإرث التاريخي للموحدين لا تكون بالانكفاء ومهاجمة الأصوات التجديدية، بل بخلق بديل حقيقي يضمن كرامة الإنسان في أرضه، وإذا كان الحياد هو المطلب، فليكن حياداً يحمي الإنسان أولاً، لا حياداً ينتظر دوره في طابور الانهيار الكبير.



