السّويداء والعدالة الغائبة

 لماذا رفضت السويداء ما سُمّي (اتفاق عمّان) أو خريطة الطريق التي جرى التفاهم عليها بين دمشق وعمّان بحضور المبعوث الأميركي توم برّاك؟

 الجواب لا يتعلق فقط بالترتيبات الأمنية أو الإدارية أو بتوزيع الصلاحيات. فالعقدة الحقيقية كانت في مكان آخر: العدالة.

 نعم، تتمسّك السويداء بمحاسبة مسؤولي حكومة دمشق (وفق القانون الدولي).

 ذلك أن أية تسوية أو (خريطة طريق) تتجاوز سؤال المحاسبة تبدو، بالنسبة إلى قطاع واسع من أبناء السويداء، محاولة لإقفال ملف الانتهاكات قبل فتحه.

 وتزداد هذه القناعة بعد ما وثّقته لجنة التحقيق الدولية المستقلة (COI) بشأن سوريا من وقائع مرتبطة باجتياح يوليو/تموز 2025، بما في ذلك الانتهاكات التي سبقتها ورافقتها.

 لكن القضية تتجاوز السويداء نفسها. فالمسألة المطروحة اليوم ليست كيف يُحاسَب مرتكبو انتهاكات السويداء فقط، بل كيف يُحاسَب مرتكبو الانتهاكات في سوريا كلها منذ عام 2011 وحتى اليوم.


 المعضلة التي تتجنّبها دمشق

 هنا تظهر المعضلة التي تتجنب دمشق الإجابة عنها.

 فالقانون السوري لا يتضمن، بصيغته الحالية، منظومة متكاملة لملاحقة جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو جريمة الإبادة الجماعية وفق المفهوم المعتمد في القانون الجنائي الدولي.

 وبذلك تصبح آلاف الوقائع التي وثقتها منظمات حقوقية ولجان تحقيق دولية قابلة للاختزال إلى جرائم عادية منفصلة، بينما تضيع طبيعتها الأصلية كجزء من سياسات واسعة النطاق أو منهجية.

 والنتيجة أخطر مما تبدو عليه.

 ففي غياب القانون الدولي لا تضيع حقوق الضحايا فقط، بل تضيع أيضاً إمكانية ملاحقة المسؤولين الحقيقيين. إذ يمكن أن يُحاسَب المنفّذ المباشر، بينما يفلت صاحب القرار وقائد الجهاز ورأس الهرم السياسي والعسكري من المساءلة.

 وهذه تحديداً هي الفجوة التي أُنشئت من أجل سدّها منظومة العدالة الجنائية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.


 اختبار الصّدقيّة

 لهذا السبب تحديداً يصبح الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أو على الأقل إعلان قبول اختصاص المحكمة بأثر رجعي منذ عام 2011، اختباراً سياسياً وأخلاقياً لا يمكن للسلطة الانتقالية الهروب منه.

 فإذا كانت السلطة الجديدة تعتبر نفسها نقيضاً للنظام السابق، فلماذا ترفض إخضاع نفسها للمعيار نفسه الذي يفترض أن يُخضع بشار الأسد ورجاله للمحاسبة؟

 وإذا كانت جادة في الحديث عن العدالة الانتقالية، فما الذي يمنعها من فتح الباب أمام آلية قضائية مستقلة تستطيع النظر في كل الجرائم، أياً يكن مرتكبوها؟



 حيث تلتقي مصالح النّظامين

 هنا تبرز مفارقة سياسية بالغة الخطورة.

 فالمصلحة المباشرة لبشار الأسد وكبار مسؤولي نظامه تكمن في بقاء الجرائم المرتكبة منذ عام 2011 خارج الولاية القضائية الدولية.

 وفي الوقت نفسه، فإن أي سلطة تخشى التحقيق الدولي في الانتهاكات المنسوبة إليها أو إلى القوى التي انبثقت منها تجد مصلحة مشابهة في رفض إخضاع سوريا لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

 قد تختلف هذه الأطراف سياسياً إلى حد العداء، لكن المرتكبين يلتقون عملياً عند نقطة واحدة:

 (إبقاء المحاسبة الدولية خارج سوريا)

 وفي هذه اللحظة يصبح السؤال مشروعاً: هل الخلاف بين النظام السابق والسلطة الحالية خلاف على السلطة فقط، أم خلاف على مبدأ المساءلة أيضاً؟



 الضّحايا هم الخاسر الأكبر

 الأخطر أن ثمن هذا الرفض لا تدفعه النخب الحاكمة، بل يدفعه الضحايا.

 ضحايا سجون الأسد.

 ضحايا الإخفاء القسري.

 ضحايا المجازر والتهجير.

 وضحايا الساحل والسويداء والانتهاكات اللاحقة لسقوط النظام.

 جميع هؤلاء يخسرون المرجعية القضائية الوحيدة القادرة على التعامل مع الجرائم بوصفها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، لا بوصفها ملفات جنائية عادية قابلة للتجزئة والتسييس والنسيان، وليفلت "القادة" من المحاسبة.



 العدالة الانتقالية أم الإفلات من العقاب؟

 وهنا تسقط الرواية الرسمية عن العدالة الانتقالية.

 لأن العدالة الانتقالية ليست لجاناً وخطابات ومؤتمرات ومراسم رمزية أو (إجراءات كرنفالية).

 العدالة الانتقالية تبدأ عندما تقبل السلطة إخضاع نفسها للقانون نفسه الذي تطالب الآخرين بالخضوع له.

 أما أن تُرفع شعارات المحاسبة مع الإصرار على إغلاق الطريق أمام أهم آليات المحاسبة الدولية، فذلك لا يؤسس لعدالة انتقالية، بل لنسخة جديدة من الإفلات من العقاب.



 عندما تسقط (الوطنية)

 والنتيجة لا تهدد العدالة وحدها، بل تهدّد فكرة الدولة السورية نفسها.

 فالدولة لا تقوم على العصبيات التي تحمي أبناءها من القانون. ولا على جماعات تعتبر أن وصولها إلى السلطة يمنحها حصانة من المساءلة.

 الدولة الحديثة تقوم على مواطنين متساوين أمام معيار واحد للعدالة.

وحين يصبح الانتماء السياسي أو الفئوي أو العسكري بديلاً من القانون، تتراجع المواطنة وتتقدم العصبية.

 وبالتالي عندما تتقدم العصبية على العدالة، لا تسقط العدالة فقط، بل تسقط الوطنية نفسها.


 السؤال الذي يحدّد المستقبل

 لهذا لم يعد السؤال المطروح على دمشق متعلقاً بالسويداء وحدها، ولا حتى بضحايا العقد الماضي.

 السؤال الحقيقي هو: هل تريد السلطة الجديدة بناء جمهورية تقوم على مبدأ أن لا أحد فوق القانون؟

 أم أنها تريد فقط أن ترث السلطة من دون أن ترث المساءلة؟

 بين هذين الخيارين يقف مستقبل سوريا.

 وبينهما أيضاً يقف مصير (الوطنية السورية)  نفسها، وقد فشلت في الاختبار مراراً.



 حازم العريضي: عمل في الإعلام المرئي والمسموع في لندن - اسطنبول- عمّان، وقبلها في الصحافة الاستقصائية بدمشق.