سقوط النظام لا يعني سقوط منطق الحكم
ليس من الصعب أن نصف أي سلطة قمعية بأنها شمولية. فالكلمة جاهزة وثقيلة، وتمنح من يستخدمها شعوراً بالحسم الأخلاقي والسياسي. لكنها، حين تُستعمل بلا تمييز، قد تحجب أكثر مما تكشف. لذلك يبدو التسرع في توصيف ما يجري في سوريا اليوم خطأً تحليلياً وسياسياً في آن واحد.
فسوريا بعد سقوط نظام الأسد لا تبدو استمراراً بسيطاً للماضي، ولا قطيعة مكتملة معه. إنها تعيش لحظة رمادية، تراجعت فيها صيغة قديمة من الحكم، من دون أن يكون واضحاً بعد ما إذا كان منطق السلطة نفسه قد سقط معها.
مرحلة انتقالية بين انهيار الماضي وإعادة بناء السلطة
تصف ورقة إحاطة حديثة صادرة عن المعهد الفنلندي للشؤون الدولية، في نيسان/أبريل 2026، المرحلة السورية الراهنة بأنها انتقال سياسي متوتر وهش، وتشير إلى أن البلاد تشهد محاولة لإعادة بناء سلطة مركزية جديدة بعد سقوط الأسد.
وتبدو هذه القراءة مهمة لأنها لا تتعامل مع سقوط النظام بوصفه نهاية للصراع، بل كبداية طور جديد منه، يجري فيه التفاوض، بالقوة وبالسياسة معاً، على شكل الدولة المقبلة ومعنى الحكم فيها.
السلطوية والشمولية... لماذا يهم التمييز بينهما؟
هنا يصبح التمييز بين السلطوية والشمولية أكثر من تمرين نظري، إنه طريقة لفهم طبيعة الخطر.
فالسلطوية، في معناها السياسي الأدق، تقوم على احتكار القرار، وتقييد المجال العام، وإضعاف المجتمع، ومنع التعددية من التحول إلى قوة سياسية فاعلة.
أما الشمولية فلا تكتفي بالسيطرة على السياسة، بل تسعى إلى ابتلاع المجتمع كله، بثقافته، وأخلاقه، ورموزه، وتعليمه، وحياته اليومية. إنها لا تريد فقط إخضاع الناس، بل إعادة تشكيلهم وفق عقيدة واحدة تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة.
نظام الأسد: سلطوية أمنية أكثر من شمولية مكتملة
بهذا المعنى، يمكن القول إن نظام الأسد، في سنواته الأخيرة على الأقل، كان أقرب إلى سلطوية أمنية قصوى منه إلى شمولية مكتملة بالمعنى التاريخي الصارم.
ولا يعني ذلك التخفيف من طبيعته الإجرامية والمدمرة، ولا من حجم العنف الذي مارسه بحق السوريين، بل يعني فقط التمييز بين السيطرة الأمنية العارية وبين الشمولية بوصفها مشروعاً أيديولوجياً حياً قادراً على تعبئة المجتمع وصهره في عقيدة واحدة.
لقد حكم النظام بالخوف، والرقابة، والعنف المنهجي، وتفكيك المجتمع، وشبكات الولاء، أكثر مما حكم عبر تعبئة أيديولوجية حقيقية.
احتفظ بخطاب بعثي وقومي مستهلك، لكنه لم يعد قادراً على إنتاج معنى سياسي جامع. صار ذلك الخطاب غطاءً لهيمنة أمنية شبه عارية.
كان همه الأساسي ألّا يتشكل في البلاد مجال سياسي مستقل، وألّا تنشأ في المجتمع قوى قادرة على محاسبته أو الحد من سلطته.
لم يكن يريد من السوريين أن يؤمنوا بمشروعه، بقدر ما كان يريدهم أن يخافوا من الخروج عليه.
هل يسقط الاستبداد بسقوط الحاكم؟
غير أن سقوط الصيغة الأسدية القديمة لا يحسم وحده سؤال السلطة في سوريا.
فالتاريخ السياسي يبيّن أن انهيار نظام سلطوي لا يقود تلقائياً إلى نظام حر، إذ قد ينهار الشكل القديم للسيطرة بينما تبقى بنيته الذهنية والسياسية قابلة لإعادة الإنتاج.
قد تتغير الوجوه، وتتبدل الشعارات، وتتراجع بعض الرموز، لكن العلاقة بين السلطة والمجتمع قد تبقى محكومة بالمنطق نفسه، بالخوف من التعدد، والشك في المجتمع، والنظر إلى الحرية بوصفها خطراً ينبغي ضبطه لا حقاً ينبغي تنظيمه وحمايته.
لذلك لا يبدو السؤال السوري اليوم: هل انتهت السلطوية؟ بل ما الشكل الجديد الذي يمكن أن تتخذه؟ وما الحدود التي يمكن أن تمنع إعادة إنتاجها بلغة مختلفة؟
معضلة المرحلة الانتقالية
تحمل المرحلة الانتقالية الراهنة مفارقة واضحة.
فمن جهة، هناك انكسار فعلي للصيغة الأسدية القديمة، وهذا حدث تاريخي لا يجوز التقليل من شأنه.
ومن جهة أخرى، لا يكفي سقوط رأس النظام كي يعني أن منطق الحكم نفسه قد سقط.
بل إن المراحل الانتقالية، بسبب هشاشتها، قد تكون من أكثر البيئات قابلية لولادة سلطويات جديدة، سلطويات أقل فجاجة من النموذج السابق، لكنها ليست بالضرورة أقل ميلاً إلى الاحتكار والوصاية والضبط.
وهنا تكمن خطورة اللحظة السورية.
فالمشكلة ليست فقط في هوية من يحكم، بل في طريقة بناء السلطة نفسها.
هل تُبنى الدولة الجديدة على مؤسسات تحدّ من سلطة الحاكم، أم على شرعية تمنحه حق التوسع باسم الاستقرار؟
هل يُنظر إلى المجتمع بوصفه شريكاً في إنتاج السياسة، أم بوصفه مادة ينبغي تنظيمها وإدارتها؟
وهل تُفهم التعددية باعتبارها أساساً لسوريا المقبلة، أم عبئاً أمنياً وأخلاقياً ينبغي احتواؤه؟
لماذا لا تبدو سوريا اليوم دولة شمولية؟
حتى الآن، لا يبدو دقيقاً القول إن سوريا دخلت شمولية مكتملة.
فلا يوجد حزب شمولي يعبّئ المجتمع كله بصورة دائمة، ولا جهاز أيديولوجي قادر على صهر السوريين داخل مشروع كلي مستقر، ولا شروط استقرار سياسي تسمح بتبلور نموذج شمولي ناضج على الطريقة التي عرفها القرن العشرون.
فالبلد ما يزال مثقلاً بالحرب والانقسام، والاقتصاد المنهك، والسلاح المنتشر، والتفاوتات المناطقية والاجتماعية، وتعدد مراكز النفوذ.
الخطر الحقيقي: سلطوية جديدة
لكن غياب الشمولية المكتملة لا يعني الاطمئنان.
فالخطر الأكثر واقعية لا يتمثل في قيام شمولية ناجزة، بل في تشكل سلطوية جديدة تحت عناوين مختلفة.
يظهر هذا الخطر حين يُعاد تركيز القرار في مركز ضيق، وحين تُبنى الشرعية من الأعلى بدل أن تتشكل عبر مشاركة اجتماعية وسياسية فعلية، وحين يُفهم الاستقرار بوصفه ضبطاً للمجال العام لا عقداً سياسياً يضمن الحقوق ويحدد حدود السلطة.
وتزداد هذه المخاوف حين تُقرأ في ضوء التحديات الملموسة التي تواجهها المرحلة الانتقالية، من إعادة بناء المركز، وإدارة العلاقة مع الجماعات الدينية والإثنية، ومستقبل الحكم المحلي، وحدود المشاركة السياسية، وحضور التدخلات الإقليمية والدولية في رسم توازنات الداخل السوري.
فالمسألة لا تتعلق فقط بنوايا السلطة الجديدة، بل بالبنية التي تُبنى من خلالها شرعيتها، وهل تقوم على التمثيل والمحاسبة، أم على الضرورة الأمنية واحتكار القرار؟
كيف يُعاد إنتاج المنطق القديم؟
يظهر هذا الخطر أيضاً في طريقة التعامل مع التعددية.
فحين تُدار الاختلافات الدينية والمناطقية والسياسية بوصفها مشكلة أمنية، لا بوصفها أساساً لعقد وطني جديد، نكون أمام إعادة إنتاج للمنطق القديم، ولو بلغة جديدة.
وحين تُستبدل المشاركة بالاستشارة، والمحاسبة بالثقة، والقانون بمنطق الضرورة، فإننا لا نكون أمام شمولية مكتملة، بل أمام سلطوية قيد التشكّل.
التفاصيل التي ترسم شكل الدولة
ولا تُقاس ملامح هذه السلطوية بالشعارات الكبرى فقط، بل بالتفاصيل اليومية لبناء السلطة، من طريقة تشكيل المؤسسات، وحدود مشاركة القوى الاجتماعية، وموقع المجالس المحلية، إلى استقلال النقابات والإعلام، وكيفية التعامل مع المناطق والجماعات التي لا تدخل بسهولة في سردية السلطة الجديدة.
ففي هذه التفاصيل يتحدد ما إذا كانت سوريا تتجه نحو دولة مواطنين، أم نحو سلطة جديدة تدير المجتمع من فوق.
أوهام المرحلة الانتقالية
إن أخطر ما في الفترات الانتقالية ليس هشاشتها فقط، بل قدرتها على إنتاج أوهام مريحة.
يكفي أحياناً أن تتغير الشعارات حتى يظن كثيرون أن النظام قد تغير. لكن الأنظمة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بطريقة توزيع السلطة داخلها، وبمدى سماحها للمجتمع بأن يكون شريكاً فعلياً لا مجرد موضوع للإدارة.
إذ يمكن لسلطة جديدة أن تتحدث باسم الحرية، بينما تعيد عملياً إنتاج العلاقة القديمة نفسها مع الناس؛ علاقة وصاية لا مواطنة، وضبط لا تمثيل، وارتياب بالمجتمع لا اعتراف به مصدراً للشرعية.
السؤال الحقيقي ليس التصنيف
لهذا لا ينبغي اختزال النقاش السوري في سؤال تصنيفي جامد: هل نحن أمام سلطوية أم شمولية؟
فالقيمة الحقيقية للمفاهيم تظهر حين تساعدنا على فهم علاقة الدولة بالمجتمع.
والسؤال الأهم هو: هل تتجه السلطة الجديدة إلى بناء مؤسسات تحدّ من نفسها، أم إلى بناء شرعية تمنحها حق التوسع؟
هل تُفتح السياسة أمام المجتمع، أم يعاد إغلاقها باسم الاستقرار؟
هل يصبح السوريون مواطنين، أم يبقون رعايا في لغة جديدة؟
سوريا بين احتمالين
الأدق أن البلاد دخلت منطقة رمادية مفتوحة على أكثر من احتمال.
قد يفضي المسار الانتقالي إلى بناء سياسي أكثر عدالة ومحاسبة وتعددية، وقد ينتج صيغة جديدة من الحكم، أقل فجاجة من النموذج الأسدي، لكنها أكثر حرصاً على الضبط من الحرية، وعلى الوصاية من المشاركة.
وفي الحالتين، لا يكفي الاطمئنان إلى سقوط الماضي، لأن الخطر لا يأتي دائماً من عودة الماضي كما كان، بل من عودته بأسماء جديدة، ولغة جديدة، وشرعية جديدة.
إعادة بناء الثقة قبل إعادة بناء الدولة
هنا تبدو مسألة الثقة الاجتماعية مركزية.
فالانتقال السياسي لا يُقاس فقط بإعادة بناء الوزارات، أو حلّ حزب قديم، أو تشكيل حكومة انتقالية، بل بقدرة السلطة على ترميم العلاقة المكسورة بين الدولة والمجتمع.
وتشير الورقة نفسها الصادرة عن المعهد الفنلندي للشؤون الدولية إلى أن سوريا بدأت مساراً صعباً لا يتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة الرسمية فقط، بل أيضاً بإعادة بناء الثقة الاجتماعية، وهي المهمة الأصعب.
فالعقد الاجتماعي الذي كُسر خلال عقود من القمع والحرب لا يُصلح بقرارات فوقية سريعة، ولا بوعود سياسية عابرة، بل بعملية طويلة تعيد تعريف علاقة السلطة بالمجتمع على أساس الحقوق والمحاسبة والمشاركة.
كيف يُحكم البلد؟
لهذا كله، فإن الحديث عن سوريا بعد الأسد لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: من يحكم؟
بل من سؤال أعمق هو: كيف يُحكم البلد، ولصالح من، وبأي حدود؟
هنا فقط يتضح ما إذا كانت سوريا قد خرجت فعلاً من السلطوية، أم أنها ما تزال تدور في ظلها، وإن بكلمات مختلفة.
فما تحتاجه البلاد ليس مجرد تبديل لغة السلطة، بل إعادة رسم حدودها. وليس استبدال شرعية بأخرى، بل بناء قواعد تمنع أي شرعية، أياً كان اسمها، من ابتلاع المجتمع مرة أخرى.
معركة الدولة في سوريا الجديدة
بهذا المعنى، لم تعد المعركة السورية بين نظام سقط وآخر حلّ مكانه، بل بين تصورين للدولة؛ تصور يرى المجتمع خطراً ينبغي ضبطه، وتصور يرى فيه مصدر الشرعية والقيد الضروري على السلطة في الوقت نفسه.
وإذا كانت السنوات الماضية قد أظهرت إلى أي حد يستطيع الاستبداد أن يدمّر بلداً كاملاً، فإن السنوات المقبلة ستكشف ما إذا كان السوريون قادرين على انتزاع معنى مختلف للسياسة، معنى لا يعيد إنتاج السيطرة، بل يضع لها حدوداً.
مقدام البربور
باحث أكاديمي في الاقتصاد وعلم الاجتماع السياسي، مهتم بدراسة الاقتصاد الكلي، والدولة، والمؤسسات، والأنظمة السياسية.



