ليست هذه المرة الأولى التي يطلق فيها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط مواقف أو روايات تتصل بما جرى في السويداء خلال يوليو/تموز 2025. غير أن اللافت أن الرجل عاد، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» الفرنسية، وفق ما نُقل عنه، إلى تكرار مزاعم سبق أن روّجها فريقه السياسي والإعلامي خلال الأشهر الماضية، رغم أنها لا تصمد أمام أبسط مراجعة للوقائع القانونية والمؤسساتية المتعلقة بعمل الأمم المتحدة وآليات التحقيق الدولية.
يقول جنبلاط إنه طالب «المحكمة الجنائية الدولية» بإرسال لجنة تحقيق بعد مجازر تموز 2025 التي قُتل فيها نحو 1500 درزي.
وقد يبدو هذا الكلام، للوهلة الأولى، تفصيلاً عابراً في سياق مقابلة صحافية، إلا أن الإشكالية تكمن في أنه يقدّم للجمهور رواية غير دقيقة عن كيفية نشوء لجنة التحقيق الدولية وآلية عملها، ويوحي بوجود دور أو تأثير مباشر له أو لفريقه في استقدام اللجنة، وهو أمر لا تؤيده الوقائع ولا النصوص الناظمة.
والواقع أن هذا الادعاء لم يظهر للمرة الأولى في مقابلة «لوموند». فمنذ أشهر، حاول عدد من المحسوبين على جنبلاط، عبر مقابلات إعلامية ومداخلات سياسية متعددة، الإيحاء بأن لهم دوراً أساسياً في الدفع نحو إرسال لجنة تحقيق دولية إلى سوريا للنظر في الانتهاكات المرتكبة في السويداء.
وقد بدا واضحاً أن هذا الخطاب موجّه بصورة خاصة إلى البيئة الدرزية في لبنان، في محاولة لإعادة رسم صورة الدور الذي أدّاه جنبلاط وفريقه خلال الأزمة، وتقديمه بوصفه «دوراً ضاغطاً دولياً لصالح السويداء».
لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في السجال السياسي، بل في الفجوة القائمة بين هذه الرواية وبين الحقائق القانونية المعروفة لكل من اطّلع على بنية منظومة الأمم المتحدة وآلياتها.
خلط بين مؤسستين مختلفتين
أولاً، لا توجد أي علاقة عضوية أو مؤسساتية بين المحكمة الجنائية الدولية ولجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا.
فالمحكمة الجنائية الدولية هيئة قضائية مستقلة أُنشئت بموجب نظام روما الأساسي، ولها اختصاصات وآليات مختلفة تمامًا عن اختصاصات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. أما لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا (COI)، فهي آلية أنشأها مجلس حقوق الإنسان بقرار مستقل، وتعمل ضمن ولايته وصلاحياته.
وبالتالي، فإن الحديث عن مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بإرسال لجنة تحقيق يكشف خلطاً بين مؤسستين مختلفتين كلياً من حيث الطبيعة القانونية والاختصاص.
لجنة قائمة منذ سنوات
ثانيًا، إن لجنة التحقيق الخاصة بسوريا ليست لجنة وُلدت بعد كارثة السويداء، ولا هي نتيجة «طلب سياسي مستجد» من أي جهة كانت.
فاللجنة موجودة منذ سنوات طويلة بموجب قرارات متعاقبة صادرة عن مجلس حقوق الإنسان، وقد جرى تمديد ولايتها قبل أسابيع قليلة. وعليه، فإن القول إن جهة سياسية أو شخصية بعينها كانت صاحبة المبادرة في «إرسال» اللجنة يتجاهل حقيقة أنها قائمة أصلاً ومكلّفة بمتابعة الانتهاكات في سوريا منذ سنوات.
بين السيادة الوطنية والتحقيق الدولي
ثالثًا، يبقى الوصول الميداني إلى أراضي أي دولة مسألة ترتبط عملياً بموافقة تلك الدولة أو بقدرة المجتمع الدولي على ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية عليها.
ومن المفيد هنا التذكير بالمواقف التي صدرت عن سلطات دمشق والمتحدثين باسمها في الأسابيع الأولى التي تلت مجازر السويداء، حين كانوا ينفون إمكان اللجوء إلى تحقيق دولي ويتمسكون بما سموه «السيادة الوطنية» بوصفها سبباً كافياً للاكتفاء بلجنة تحقيق وطنية.
وقد سعت تلك اللجنة الوطنية لاحقاً إلى نفي مسؤولية مستويات القيادة العليا والتشكيك بوجود سلسلة أوامر واضحة تقود إلى الانتهاكات المرتكبة. لكن تقرير لجنة التحقيق الدولية عاد ليقدّم قراءة مختلفة، مؤكداً وجود معطيات وأدلة تناقض هذه الخلاصات.
ماذا عن «اتفاق عمّان»؟
أما النقطة الرابعة والأخيرة، فتتصل بمحاولات ربط عمل لجنة التحقيق بما يُعرف بـ«اتفاق عمّان».
فهنا أيضاً يجري تقديم الأمر بطريقة توحي بأن الاتفاق هو المرجعية القانونية التي تستمد منها اللجنة صلاحياتها أو شرعيتها. والحقيقة أن أي مراجعة للوثائق ذات الصلة تُظهر أن اللجنة لا تستمد تفويضها من أي اتفاق سياسي ثنائي أو إقليمي، بل من قرارات مجلس حقوق الإنسان.
أما ما يُسمّى «اتفاق عمّان» فلا يعدو كونه إطاراً يؤكد استعداد الدولة المعنية للتعاون مع اللجنة وتسهيل عملها، من دون أن يمنحها تفويضاً جديداً أو يقيّد صلاحياتها أو يحدد نطاق تحقيقاتها.
بين الرواية والوقائع
لهذه الأسباب مجتمعة، يصعب التعامل مع الرواية التي يكررها وليد جنبلاط باعتبارها وصفاً دقيقاً لما جرى.
فالمسألة هنا لا تتعلق باختلاف في التقدير السياسي أو بتباين في قراءة الأحداث، بل بوقائع قانونية ومؤسساتية يمكن التحقق منها بسهولة. ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى أن يبادر المحيطون بالرجل إلى مراجعة هذه المعلومات قبل إعادة تداولها في الإعلام الدولي والعربي.
فالسياسة تحتمل الاجتهاد، وتحتمل المواقف المتناقضة، بل تحتمل حتى تبدّل التحالفات والخيارات. أما الوقائع القانونية والمؤسساتية فتبقى أقل قابلية للتأويل. وعندما تصبح الرواية السياسية منفصلة عن تلك الوقائع، فإن المشكلة لا تكون في القانون الدولي ولا في آليات الأمم المتحدة، بل في الرواية نفسها.
أربع حقائق أساسية
باختصار، تكفي أربع حقائق أساسية لدحض المزاعم المتداولة:
لا علاقة للمحكمة الجنائية الدولية بلجنة التحقيق الخاصة بسوريا.
لجنة التحقيق أنشأها مجلس حقوق الإنسان قبل سنوات، وليست وليدة أحداث السويداء.
دخول اللجنة إلى الأراضي السورية تم في إطار ضغوط وموافقات سياسية، لا نتيجة طلب من أفراد أو أحزاب.
«اتفاق عمّان» لا ينشئ اللجنة ولا يحدد صلاحياتها، بل يقتصر على تأكيد التعاون معها.
وما عدا ذلك، يدخل في باب السرديات السياسية أكثر مما يدخل في باب الحقائق الموثقة.
حازم العريضي: صحافي عمل في الإعلام المرئي والمسموع (لندن – إسطنبول – عمّان)، وقبلها في الصحافة الاستقصائية بدمشق.



