في العقود السابقة، كانت السلطة التقليدية تتحكم بتدفق المعلومات عبر الصحف والقنوات والإذاعات، وكان تشكيل الرأي العام عملية بطيئة نسبياً، تحتاج إلى مؤسسات وأحزاب وخطابات طويلة. أما اليوم، فقد أصبح العالم يعيش داخل تدفق لا ينتهي من الصور والمقاطع القصيرة والشعارات المختزلة، حتى بدا الوعي نفسه وكأنه يتشكّل على هيئة (خوارزمية).

لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط طريقة تداول الأخبار، بل طبيعة الحقيقة ذاتها.

من الحقيقة المشتركة إلى الحقائق المتوازية

في الماضي، كان الناس يختلفون في تفسير الوقائع، لكنهم غالباً يتفقون على وجود (وقائع)أصلاً.
أما اليوم، فقد أصبح لكل جماعة روايتها الخاصة، ومصادرها الخاصة، وحتى حقائقها الخاصة.

فالخوارزميات لا تعرض للإنسان العالم كما هو، بل كما يُشبهه.
كل نقرة، وكل إعجاب، وكل مشاركة، تدفع المنصة إلى بناء نسخة مخصصة من الواقع تناسب ميوله ومخاوفه وانحيازاته.

وهكذا، لم يعد المستخدم يرى الحقيقة، بل يرى ما يؤكد صورته المسبقة عنها.

ومع الوقت، تتحول المنصة من وسيلة تواصل إلى غرفة صدى ضخمة؛ يسمع فيها الإنسان صوته يتكرر بألف وجه، فيظن أن العالم كله يشبهه، وأن المختلف عنه ليس مجرد خصم سياسي، بل كائن غريب يهدد (الحقيقة) نفسها.

السياسة بوصفها انفعالاً دائماً

أحد أخطر التحولات التي صنعتها المنصات الرقمية هو انتقال السياسة من مجال التفكير إلى مجال الانفعال.

فالمنصات لا تكافئ العقلانية، بل الإثارة.
وكلما كان المحتوى أكثر غضباً أو خوفاً أو صدمة، زادت فرص انتشاره.

لهذا لم تعد الخوارزميات تفضّل الحقيقة بقدر ما تفضّل ما يبقي المستخدم أطول وقت ممكن داخل المنصة. ومع الوقت، صار الغضب مورداً اقتصادياً، وصارت الكراهية مادة قابلة للتداول الرقمي.

إن كثيراً من الخطابات الشعبوية المعاصرة لم تنجح بسبب قوتها الفكرية، بل لأنها فهمت منطق المنصة:
اختصر، اصرخ، اتهم، وكرّر.

ومن هنا، بدأ النقاش العام يفقد تعقيده تدريجياً. القضايا الكبرى لم تعد تُفهم عبر التحليل، بل عبر (لترند). والسياسة نفسها تحوّلت إلى معركة هويات سريعة، لا مكان فيها للتأمل أو التدرج أو الشك.

الإنسان الذي صار جمهوراً دائماً

المفارقة أن وسائل التواصل التي وعدت بمنح الجميع صوتاً، دفعت كثيرين إلى فقدان أصواتهم الفردية فعلاً.

فالإنسان داخل المنصة يعيش تحت ضغط خفيّ:
أن يعلن موقفاً دائماً، وأن ينتمي دائماً، وأن يشارك غضب الجماعة في كل لحظة.

وهكذا، صار الصمت يُفسَّر بوصفه خيانة، والتردد ضعفاً، والتفكير البطيء رفاهية غير مرغوبة.

ومع هذا التحول، لم تعد الهوية السياسية مجرد رأي، بل أصبحت جزءاً من تعريف الذات. ولذلك صار النقاش السياسي أكثر عنفاً، لأن الناس لم يعودوا يدافعون عن أفكار فقط، بل عن صورتهم الشخصية أمام جماعتهم الرقمية.

هل ما زال ممكناً إنقاذ المجال العام؟

ربما تكمن المشكلة الكبرى في أن التكنولوجيا تطورت أسرع بكثير من قدرة الإنسان الأخلاقية على التعامل معها.

فالمنصات التي ربطت العالم ببعضه، ساهمت أيضاً في تفتيته إلى جماعات مغلقة، لكل منها خوفها الخاص، وحقيقتها الخاصة، وعدوها الخاص.

لكن رغم هذا كله، لا يبدو الحل في الهروب من التكنولوجيا، بل في استعادة القدرة على التفكير خارج إيقاعها السريع.

إن المجتمعات لا تنهار فقط حين تُقمع الحقيقة، بل أيضاً حين تتشظى إلى آلاف الحقائق الصغيرة المتصارعة.

وربما كان التحدي الأكبر في عصرنا ليس الوصول إلى المعلومات، بل القدرة على النجاة من فائضها.

 

استناداً إلى نقاشات وأطروحات غربية معاصرة حول أثر وسائل التواصل في الوعي السياسي.

العنوان الأصلي: How Social Media Rewired Political Discourse
(الكاتب: Yuval Noah Harari ) مقالة وأفكار متقاطعة مستوحاة من أطروحاته وتحليلات معاصرة حول الإعلام الرقمي والسياسة
مكان النشر الأصلي باللغة الإنكليزية: The Atlantic / The Guardian / محاضرات ومقالات فكرية منشورة باللغة الإنكليزية حول أثر المنصات الرقمية على الوعي السياسي