ليس من الصعب أن نفهم لماذا يفرح السوري عندما يسمع عن زيادة الرواتب، أو إعادة بناء مدرسة، أو إصلاح طريق، أو تخصيص مليارات الدولارات للبنية التحتية. البلد خرج من حرب طويلة وهو منهك إلى درجة يصعب وصفها بالأرقام وحدها. البيوت مهدمة، الرواتب فقدت قيمتها، الكهرباء والمياه والمشافي والمدارس تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وملايين السوريين يريدون ببساطة أن يستعيدوا حياة عادية. لذلك فالمشكلة ليست في أن تنفق الدولة أكثر. على العكس تماماً، سوريا تحتاج اليوم إلى دولة قادرة على الإنفاق، وربما إلى إنفاق عام استثنائي لسنوات طويلة. لكن السؤال الذي سيحدد شكل الدولة الجديدة ليس فقط كم ستنفق الحكومة؟ بل أيضاً من يقرر كيف تُنفق هذه الأموال، وعلى من، وبأي قواعد، ومن يملك حق مراقبة القرار ومحاسبة من يتخذه؟

هذا السؤال مهم لأن الإنفاق العام ليس مجرد أرقام في الموازنة. عندما ترفع الدولة راتب فئة معينة، أو تبني طريقاً في منطقة، أو تمنح عقداً لشركة، أو تستعيد أصولاً من رجل أعمال، فهي لا تحرك الاقتصاد فقط، بل تعيد توزيع الفرص والنفوذ والقوة داخل المجتمع. وفي الدول التي تضعف فيها المؤسسات الرقابية، يمكن للإنفاق أن يتحول بسهولة من وسيلة لتقديم خدمات عامة إلى أداة لبناء الولاءات، أو لتحييد خصوم، أو لربط حياة المواطنين الاقتصادية بمركز السلطة. التجارب السلطوية المختلفة توضح أن إعادة توزيع الموارد لا تعني دائماً عدالة اجتماعية. فقد توزع السلطة الأرض أو الوظائف أو السكن أو المساعدات، وفي الوقت نفسه تستخدم ما توزعه لتجعل المواطن أكثر اعتماداً عليها. وهنا يصبح الفرق جوهرياً بين دولة يعتمد عليها المواطن لأنها تضمن حقوقه، ودولة يعتمد عليها لأن السلطة تحتكر الموارد التي يحتاجها كي يعيش.

السوريون يعرفون هذا الفرق جيداً. فالدولة التي بناها حافظ الأسد لم تكن جهازاً أمنياً فقط. كان وراء الجهاز الأمني اقتصاد كامل يساعد النظام على الاستقرار. الوظيفة الحكومية، التعليم شبه المجاني، الصحة، دعم الخبز والمحروقات، المؤسسات العامة، السياسات الزراعية، وتوسيع حضور الدولة في الريف، كلها منحت قطاعات واسعة من السوريين مكاسب اجتماعية حقيقية، خصوصاً خلال العقود الأولى من حكمه. ومن الخطأ اختزال هذه السياسات كلها في فكرة شراء الولاء، لأن بعضها لبّى احتياجات اجتماعية فعلية ووسّع التعليم والخدمات وفرص العمل. لكن المشكلة أن هذه الحقوق الاجتماعية لم تكن مرتبطة بحقوق سياسية مماثلة. كان المواطن يستطيع أن يستفيد من دعم الدولة، لكنه لا يستطيع أن يغير السلطة أو يراقبها أو ينظم معارضة حقيقية لها. ومع الوقت تشكل نوع من العقد غير المكتوب، الدولة تؤمن قدراً من الوظيفة والدعم والخدمات والاستقرار، مقابل انسحاب المواطن من السياسة، أو على الأقل قبوله بأن للسياسة حدوداً ترسمها السلطة.

لم يكن كل موظف حكومي موالياً للأسد، ولم يكن كل رغيف خبز مدعوماً رشوة سياسية. لكن المنظومة جعلت ملايين الناس مرتبطين مادياً بالدولة التي يسيطر عليها النظام. وهذا الارتباط منح السلطة قدرة كبيرة على الضبط. فالوظيفة والترقية والسكن الجامعي والنقابة والترخيص والاستيراد وحتى بعض الفرص التعليمية كانت تمر عبر مؤسسات لا يمكن فصلها تماماً عن النظام السياسي. وبذلك لم تعد الدولة مجرد مؤسسة عامة، بل أصبحت في كثير من الحالات البوابة التي يمر منها الفرد للوصول إلى فرصه الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا نفهم لماذا كان الاحتكار السياسي والاقتصادي يعززان بعضهما بعضاً.

عندما وصل بشار الأسد إلى السلطة سنة 2000، بدأ شكل هذه العلاقة يتغير. لم تعد الدولة قادرة أو راغبة في الاستمرار بالطريقة نفسها. ظهر خطاب اقتصاد السوق الاجتماعي، وجرى فتح قطاعات أمام الاستثمار الخاص والمصارف وشركات الاتصالات. على الورق كان المطلوب تحرير الاقتصاد من البيروقراطية القديمة وخلق قطاع خاص أكثر حيوية. لكن التحرير الاقتصادي لم يترافق مع تحرير سياسي أو بناء قضاء مستقل أو مؤسسات رقابة قادرة على ضبط العلاقة بين المال والسلطة. وهنا تحولت الخصخصة والانفتاح إلى فرصة لظهور طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بمركز الحكم. صار اسم رامي مخلوف مثلاً، رمزاً لطريقة جديدة تجمع القرابة السياسية بالامتياز الاقتصادي.


المفارقة أن الدولة في عهد بشار بدأت تتراجع عن جزء من التزاماتها الاجتماعية، لكن شبكة المحسوبية لم تتراجع معها. تآكلت قيمة الأجور، تقلص الدعم، واتسعت الفجوة بين دمشق ومناطق أخرى، وبين من يملك الوصول إلى شبكات النفوذ ومن لا يملكه. وبعد 2011 أصبح الوضع أكثر قسوة. انهار الاقتصاد، وتراجعت قيمة الرواتب بصورة هائلة، وتقلصت قدرة الدولة على تقديم الخدمات، بينما نمت إلى جانبها اقتصادات الحرب والتهريب والحواجز والامتيازات الأمنية وشبكات رجال الأعمال الجدد. انتهى نظام الأسد وهو عاجز عن الحفاظ حتى على جزء كبير من العقد الاجتماعي الذي ساهم في بنائه في بداياته، لكن دولة المحسوبية بقيت حتى النهاية. انكمشت دولة الرعاية، وبقيت دولة الولاء.

اليوم تقف سوريا أمام لحظة مختلفة، لكنها تحمل أسئلة مألوفة. أحمد الشرع ورث بلداً لا يملك ترف الانتظار. هناك ضغط هائل لرفع الرواتب، إصلاح الكهرباء والمياه والطرقات، إعادة الموظفين إلى العمل، تحريك الاقتصاد، جذب الاستثمار وإعادة إعمار مدن ومناطق مدمرة. لذلك لا يصح تفسير كل زيادة في الإنفاق على أنها محاولة لشراء الولاءات. كثير من هذا الإنفاق ضرورة، وأي حكومة سورية كانت ستواجه المطالب نفسها. كما أن حجم الدمار يجعل الحديث عن دولة صغيرة قليلة الإنفاق أقرب إلى الوهم. إعادة الإعمار وحدها تحتاج إلى موارد هائلة، في وقت لا تزال فيه قدرة الاقتصاد المحلي على التمويل محدودة.

لكن أهمية المرحلة لا تكمن في حجم الإنفاق فقط، بل في القواعد التي ستنشأ معه. وفق الأرقام التي أعلنتها السلطة، ارتفع الإنفاق الحكومي بصورة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، وحددت موازنة 2026 بمستوى أعلى بكثير من موازنات السنوات التي سبقتها، مع وعود بتوجيه جزء معتبر من الأموال إلى الخدمات والبنى التحتية وزيادة الرواتب. وإذا تحولت هذه الوعود إلى كهرباء أفضل وطرقات ومدارس ومستشفيات ورواتب تسمح للناس بالعيش، فسيكون ذلك تطوراً يحتاجه السوريون بشدة. لكن الأرقام وحدها لا تخبرنا بشكل الدولة التي يجري بناؤها. فقد تنفق حكومة مليارات وتبني دولة مؤسسات، وقد تنفق المبلغ نفسه وتبني شبكة ولاء جديدة.

الأمر يصبح أكثر تعقيداً لأن السياسة الاقتصادية الجديدة تبدو مختلفة عن النموذج البعثي القديم. هناك حديث عن تقليص القطاع العام، إعادة تقييم أعداد الموظفين، خصخصة شركات حكومية غير استراتيجية، وتوسيع دور القطاع الخاص. وهذا يعني أننا قد لا نكون أمام عودة إلى دولة حافظ الأسد التي وظفت أعداداً ضخمة وربطت قطاعات اجتماعية واسعة بالمؤسسات العامة. قد يظهر نموذج آخر متمثل بدولة توظف أقل، لكنها تملك موارد تستطيع توجيهها عبر الرواتب الانتقائية والمشاريع والعقود والاستثمارات والتعويضات وصناديق الإعمار. وإذا حدث ذلك فستصبح الرقابة على طريقة الإنفاق أهم من أي وقت مضى.

المشكلة ليست في الخصخصة بذاتها، كما أنها ليست في القطاع العام بذاته. يمكن لدولة أن تملك المصانع والشركات وتكون فاسدة وسلطوية، ويمكن لدولة أخرى أن تعتمد على القطاع الخاص وتكون فاسدة وسلطوية أيضاً. السؤال الحقيقي يكون انطلاقاً من تواجد قواعد تنطبق على الجميع، هل يستطيع رجل أعمال الحصول على عقد حكومي من دون علاقة مع مسؤول؟ هل يستطيع الموظف الاعتراض على فصله أمام قضاء مستقل؟ هل يحصل سكان السويداء ودير الزور وإدلب واللاذقية ودرعا وحلب ودمشق على الإنفاق وفق حاجاتهم الفعلية، أم وفق قربهم أو بعدهم السياسي من مركز السلطة؟ هل يستطيع الصحافي أن يعرف أين تذهب أموال الدولة؟ وهل يستطيع المواطن أن يسأل عن قيمة عقد أو مشروع أو صندوق من دون أن يتحول السؤال نفسه إلى مشكلة سياسية؟

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلق الأمر بالأصول والممتلكات التي كانت بيد رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق. من الطبيعي أن تطالب أي دولة جديدة باستعادة الأموال العامة المنهوبة، ومن غير المقبول أن يحتفظ من استفاد من قربه من نظام الأسد بثروات حصل عليها بطريقة غير مشروعة. لكن شرعية الاستعادة لا تُغني عن شرعية الطريقة. من يحدد أن هذا المال منهوب؟ من يقدر قيمته؟ هل يمر القرار بقضاء مستقل؟ أين تسجل الأصول المستعادة؟ وهل تدخل إلى الخزينة العامة؟ وكيف يعرف السوريون ما الذي استردته الدولة وما الذي أعادت بيعه أو توزيعه أو تشغيله؟


 

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً قانونياً. ففي المراحل التي يتغير فيها نظام الحكم، تحدث عادة إعادة توزيع واسعة للقوة الاقتصادية. تضعف شبكات قديمة وتصعد شبكات جديدة، وتتغير ملكية الشركات والعقارات والموارد والعقود. وإذا لم تكن هناك قواعد واضحة منذ البداية، يمكن أن تتحول عملية تفكيك المحسوبية القديمة إلى ولادة محسوبية جديدة. ليس لأن الأشخاص الجدد يشبهون بالضرورة الأشخاص القدامى، بل لأن المؤسسات الضعيفة تسمح للمنطق نفسه بأن يعيد إنتاج ذاته تحت أسماء أخرى.

وهذا هو الدرس الأهم من تجربة آل الأسد. لم يولد اقتصاد المحاسيب دفعة واحدة. لم يعلن أحد أن سوريا ستصبح دولة تكون فيها العلاقات الشخصية أهم من القانون. تراكمت الاستثناءات والامتيازات والعقود والتعيينات، ثم أصبحت مع الوقت جزءاً عادياً من طريقة عمل النظام. ولذلك فإن الخطر اليوم ليس أن يعيد أحمد الشرع تجربة حافظ الأسد أو بشار الأسد حرفياً. التاريخ نادراً ما يعيد نفسه بهذه البساطة. الخطر أن يتغير شكل الاقتصاد بينما يبقى مركز القرار مغلقاً، وأن تتغير اللغة السياسية بينما تظل الموارد تمر من أعلى إلى أسفل من دون رقابة مستقلة.

يمكن أن تكون سوريا المقبلة أكثر انفتاحاً على السوق، وأكثر ارتباطاً برؤوس الأموال الخليجية والدولية، وأقل اعتماداً على شركات القطاع العام، وتختلف جذرياً في خطابها عن دولة البعث. لكن إذا بقيت القرارات الاقتصادية الكبرى محصورة في الرئيس ودائرة ضيقة من المسؤولين، وإذا بقيت العقود غير شفافة، وإذا كان الحصول على فرصة أفضل مرتبطاً بالقرب من السلطة، فإن جزءاً مهماً من بنية الحكم القديمة سيستمر حتى لو تغيرت كل الشعارات.

لهذا يجب ألا ينحصر النقاش في زيادة الرواتب أو حجم الاستثمار القادم إلى سوريا. عندما نسمع عن زيادة راتب، علينا أن نسأل من بقي في الوظيفة ومن فقدها ولماذا. عندما نسمع عن استرداد أموال رجال أعمال العهد السابق، علينا أن نسأل من أصبح يدير هذه الأموال الآن. وعندما يعلن عن مليارات للبنية التحتية، علينا أن نعرف أين ستذهب، وكيف اختيرت المشاريع، ومن حصل على العقود، وبأي أسعار. وعندما تأتي استثمارات أجنبية كبيرة، فإن السؤال ليس فقط عن حجمها، بل عن شروطها، وعن المؤسسات التي تفاوض باسم السوريين، وعن توزيع فوائدها بين المناطق والفئات الاجتماعية.

سوريا تحتاج إلى إنفاق عام واسع، وهذه ليست تهمة. لا يمكن إعادة بناء بلد مدمر عبر التقشف وحده، ولا يمكن مطالبة الناس بالصبر على رواتب لا تكفيهم بينما يجري الحديث عن مستقبل اقتصادي مزدهر. لكن زيادة الإنفاق يجب أن ترافقها زيادة مماثلة في الشفافية والمساءلة. كلما زادت الأموال التي تمر عبر الدولة زادت الحاجة إلى معرفة من يتخذ القرار، ومن يستفيد منه، ومن يراقبه.

القطيعة الحقيقية مع دولة الأسد لن تحدث عندما تتغير صورة الرئيس في الدوائر الرسمية فقط، ولا عندما تتغير أسماء رجال الأعمال أو الوزارات أو الشعارات الاقتصادية. القطيعة تبدأ عندما يتحول المال العام من أداة بيد السلطة إلى ملك للمجتمع، وعندما تصبح الموازنة العامة وثيقة يستطيع المواطن مراقبتها، وعندما يصبح الراتب مقابلاً للعمل لا وسيلة لضبط الموظف، والمساعدة الاجتماعية حقاً لا مكرمة، وإعادة الإعمار عملية عامة لا فرصة لتكوين طبقة جديدة من أصحاب النفوذ.

الاختبار الحقيقي للسلطة الجديدة لن يكون في قدرتها على الإعلان عن أكبر موازنة أو استقطاب أكبر استثمار. سيكون في سؤال أبسط بكثير، هل يستطيع السوري أن يحصل على حقه من الدولة ثم يختلف مع من يحكمها من دون أن يخسر ذلك الحق؟ إذا أصبحت الإجابة نعم، فسنكون أمام انتقال حقيقي من دولة الولاء إلى دولة الحقوق. أما إذا ظل الوصول إلى الفرص والخدمات والموارد مرتبطاً، ولو تدريجياً، بدرجة القرب من السلطة، فقد تتغير الأسماء والوجوه واللغة الاقتصادية، بينما يبقى المنطق القديم حياً، متمثل بمن يملك توزيع موارد الدولة، يملك قدرة كبيرة على توزيع الولاء معها.

 

مقدام البربور