يستمد مفهوم المواطنة الانتقالية مشروعيته من الواقع السوري المتعيّن في تراجع رابط الوطنية السورية الجامعة، وفشل مشروع الدولة القومية في سورية، وفشل القومية الكردية في الانفصال، وسقوط الخلافة الإسلامية (داعش) والإمامة الشيعية (إيران، حزب الله)، وبروز الطائفية عند السنة والعلويين والدروز.
المواطنة الانتقالية مفهوم إجرائي، أوظفه في ربط الفكر السياسي بواقع الجماعات القومية وجماعات الخلافة والإمامة والجماعات الطائفية في سورية، وأقترحه للنقاش العام؛ لأن الفكر السياسي يقع بالضبط في العلاقة بين من يمارس السلطة على الأرض، وبين من يشرّع لكيفية ممارستها تنظيراً، وبين من تُمارس السلطة عليهم.
وأعني بهذا المفهوم أن تأخذ الوطنية السورية –لأنها القاسم المشترك الأكبر بين مختلف الجماعات السياسية– مسافة واحدة من مختلف تلك الجماعات السياسية، بعد أن يكون رابطها متوافقاً مع حقوق الإنسان والقيم العالمية، لكيلا نقع في عنصرية وطنية من جديد.
فلطالما طالبت بعض النخب السورية بالمواطنة المثالية وبالاندماج المجتمعي والوطني والقومي بشكل مثالي، ولكن لطالما كان واقع الحال بعيداً بمسافات ضوئية عن مثل هذه المطالب أو المشاريع.
إن مفهوم المواطنة الانتقالية هو تساوي الأفراد والجماعات كذلك، أمام رابط وطني جامع، ولكن بالتدريج وبشكل انتقالي، من وضعية التفاوت الهائل بين الأفراد وبين الجماعات.
ومن هنا تنبع حيوية مفهوم المواطنة الانتقالية في ردم الفجوة بين حلمنا بالدولة الوطنية الديمقراطية وبين واقعنا الجماعاتي الاستبدادي، بين مشروعنا في المواطنة والاندماج وبين نتائجنا في التقاتل.
كما تنبع أهميته من المزاوجة بين حقوق الأفراد المتساوية وحقوق الجماعات المتساوية. فحتى لو حصل الفرد على حقوقه المتساوية مع غيره من الأفراد، فإن ولاءه يبقى لجماعته الطائفية أو القومية، وليس للمواطنة، وأيضاً يبقى شعوره بمظلومية جماعته متأججاً.
تاريخياً، لا تعترف المواطنة بحقوق الجماعات السياسية، وتكتفي بالاعتراف بحقوق الأفراد وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات في دولة قومية. ولكن سورية فشلت في تعيين الدولة القومية، بالإضافة إلى أن الأفراد والإنسان والأقليات في سورية تندرج في جماعاتها السياسية، تلك التي ترتبط أساساً بحدودها الجغرافية الخاصة بها وبسيادتها على أعضائها وإقليمها.
فكلما تكلمت مع فرد في سورية ستأخذ بعين الاعتبار طائفته وقوميته. ففي سورية الآن، يرتبط الفرد بعدة روابط، منها الرابط الطائفي، والرابط الوطني، والرابط القومي، والرابط الديني. ولكن الرابط الطاغي اليوم هو الرابط الطائفي.
وهذا يطرح علينا مشكلة ولاء الأفراد والجماعات؛ لأن تعدد الولاءات وتراكبها يعيق الانتقال الديمقراطي إلى رابط وطني وإلى ولاء للرابط الوطني.
ثمة سبع جماعات سياسية على الأقل هنا، وهي: جماعة الخلافة، وجماعة الإمامة، وجماعة القومية العربية، وجماعة القومية الكردية، وجماعة الطائفية مثل السنة والعلوية والدروز.
ومن جملة ما تتصف به هذه الجماعات السياسية، سأركز على صفتين منها:
الصفة الأولى: لكل جماعة من هذه الجماعات رابط وأعضاء وولاء وحدود وسيادة، يختلف عن الجماعات الأخرى ويتعارض مع رابط يجمعها في دولة وطنية واحدة؛ وذلك لغياب حقوقهم السياسية والمدنية من جهة، ولتراجع رابط الوطنية السورية من جهة أخرى.
أما الصفة الثانية: فجميع هذه الجماعات تتداخل بروابطها وأعضائها وولائها وحدودها وسيادتها مع رابط الوطنية السورية فحسب، والذي يُفترض أن يكون عقدة الوصل بين هذه الجماعات، وأن يضعها على مسافة واحدة منه في الحقوق السياسية والحقوق المدنية، وليس في الحقوق الثقافية فحسب.
إذ إن التساوي بين الجماعات السياسية في الحقوق الثقافية، كاللغة والفلكلور والدين والعادات واللباس، لم يعد كافياً؛ لأن توزيع السلطة وتوزيع الثروة هو الهدف المشترك لهذه الجماعات السياسية.
ولا تعني مواطنة الجماعات السياسية الانتقالية هذه محاصصة طائفية أبداً، وإنما تعني الأخذ بعين الاعتبار دور هذه الجماعات في تقويض أي رابط وطني جامع، وفي فسح المجال لاتفاق الجماعات السياسية على مستقبل سورية بعقد وطني.
ولذلك أقترح المواطنة الانتقالية للاعتراف بتلك الجماعات السياسية وتغليب المصلحة العليا بتغليب العام على الخاص، وليس لتغليب منفعة فردية أنانية بتغليب الخاص على العام.
فالمواطنة الانتقالية بهذا المعنى تعيينٌ للوطنية السورية.
وفي واقع الحال، ينوس السوريون بين حدين: الأول هو حد الانتماء بالولادة كعضو ضمن جماعة سياسية، والولاء لحالات محلية. بينما الثاني حد الانتماء بالاختيار كفرد ضمن مجتمع، والولاء لمبادئ وطنية وعالمية.
إن المواطنة الانتقالية تراعي الجماعات السياسية بولاء أعضائها، كما تراعي الأفراد بولائهم الفردي لمبادئ تتجاوز الطائفية ولا تصل إلى القومية والخلافة.
فهي تسمح بنمو الوطنية السورية، وتحد من تغول قومية عربية أو كردية أو خلافة على الجماعات الأخرى. كما تحد من تغول الجماعات الطائفية مثل السنة والعلويين والدروز...
في الحقيقة، سورية جماعات لا مجتمع. ولاءات لا ولاء واحد. روابط لا رابط معقول طاغٍ.
يخطئ التوصيف من يرى سورية دولة فيها شعب يضم مواطنين ويحكمهم دستور يسترشد برابط وطني وولاء لهذا الرابط. كما يخطئ التوصيف أيضاً من يرى سورية مجتمعًا فيه مكونات اجتماعية متنوعة تضم أفرادًا متمايزين ويربطهم رابط واحد وولاء واحد.
ومن يخطئ التوصيف يخطئ العمل ويخطئ الحلول.
إن الرابطين، الطائفي والقومي الكردي، هما اللذان يشكّلان نماذج الصراع والتفكك والتماسك والتحالف والعداوة في سورية الآن.
فالحرب في سورية وعليها لم تكن بين طبقات غنية وفقيرة أو جماعات اقتصادية، وإنما بين جماعات سياسية بروابط وولاءات مختلفة.
إن أكثر الجماعات أهمية في سورية تأتي بشكل أساسي من قوميتين، عربية وكردية، ومن ثلاث طوائف إسلامية: السنية والعلوية/الشيعية والدرزية.
الاختلافات ليست اقتصادية ولا إيديولوجية ولا ثقافية؛ إنها سياسية على السلطة والثروة.
فعن سؤال: من نحن؟ يجيبون من خلال الإشارة إلى الشيء الذي له أكبر معنى بالنسبة لهم.
إن الصراع في سورية الجديدة بين عرب وكرد وبين طوائف.
إن السياسة المحلية سياستان: قومية، عرب/كرد؛ وطائفية، سنة/علويين/شيعة/دروز.
لم تتحقق المواطنة في سورية على الرغم من محاولات النخب المستمرة منذ ما يزيد على مئة عام، ولا سيما في السنوات التسع الأخيرة، ظلت المواطنة عصية على السوريين.
الأسباب كثيرة، منها الداخلي أساساً ومنها الخارجي مكملاً.
ولكن ماذا لو خفضنا من سقف طموحاتنا الذي يطال المواطنة، لننتقل إلى طموحات سقفها أقل ارتفاعاً؟
ينظر البعض إلى السوريين كأفراد، ويضع الحلول في الديمقراطية والمواطنة والوطنية. ولكنهم يسكتون عن الرابط بين هؤلاء الأفراد وبين طوائفهم وقومياتهم ودينهم.
ومع أن الفكر السياسي قدم حلولاً لهذه الظاهرة، مثل التقسيم والدولة القومية والدولة الوطنية والمحاصصة الطائفية وتسيس الطوائف وتطييف السياسة، إلا أن تجربة العراق ولبنان لم تُرضِ السوريين أبداً في هذا السياق.
ولذلك أقترح أن نزاوج بين الولاء الفردي وبين الولاء الطائفي والولاء القومي من خلال المواطنة الانتقالية.
فكل السوريين أبناء وبنات طوائف، ولكن ليس كلهم طائفيين، وليس كل الطوائف طائفية.
علّنا نجمع برابط وطني بين الرابط ما فوق الوطني، كالقومي والإسلامي، وبين الرابط ما تحت الوطني، كالطائفي.
فإذا كانت المواطنة فردية، فإن المواطنة الانتقالية جماعاتية.
في سورية اليوم تشكل الطائفية عاملاً حاسماً، موحِّداً كان أو مفتتاً.
صحيح أن السوريين أفراد في المجتمع السوري، ولكن صحيح أيضاً أن السوريين أعضاء في طوائفهم، فضلاً عن ذلك.
يعرّف كثير من السوريين أنفسهم بطوائفهم.
ويتصف السوريون الآن بصفتين اثنتين:
الأولى هي كونهم أعضاء في جماعة طائفية أو جماعة قومية وإسلامية.
أما الثانية فهي كونهم أفراداً في مجتمع.
ولكن المطلوب هو أن يكونوا مواطنين في دولة.
وأخيراً، أقصد بالمواطنة الانتقالية المساواة في حقوق هذه الجماعات السياسية بالسلطة والثروة؛ بحيث تكون جميع الجماعات السياسية على مسافة واحدة من رابط الوطنية السورية بوصفه رابطاً أقل من قومي وإسلامي وأوسع من طائفي.
فالمواطنة هي حقوق متساوية للأفراد السوريين، بينما المواطنة الانتقالية هي حقوق متساوية للجماعات السياسية؛ وذلك للمزاوجة بين ولاء الأعضاء بالولادة لجماعة سياسية، وبين ولاء الأفراد بالإرادة الفردية لوطنية سورية جامعة.
الصورة: رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي



