ليس غريباً أن تثير عبارة «تقرير المصير» حساسية سياسية وقانونية كبيرة كلما ظهرت في منطقة مضطربة. فالعبارة تبدو بسيطة: أن يقرر شعب مصيره بنفسه. لكن السؤال الذي يبدأ بعد ذلك أكثر تعقيداً: هل يعني تقرير المصير حقاً في الانفصال؟
بالنسبة إلى انفصال السويداء، لا يتعلق الأمر بمجرد تغيير حدود على الخريطة، بل بسؤال أعمق عن طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، وعن حدود قدرة الدولة على فرض وحدة سياسية عندما تصبح هذه الوحدة موضع نزاع عميق.
لكن القانون الدولي لا يقدم إجابة بسيطة من نوع «نعم» أو «لا». بل يضع أمامنا تاريخاً طويلاً من التجارب والنصوص والأحكام التي تجعل تقرير المصير حقاً معترفاً به، بينما يبقى الانفصال حالة أكثر تعقيداً.
تقرير المصير حق دولي.. لكن ماذا يعني؟
لم يظهر حق الشعوب في تقرير مصيرها في الخطاب السياسي الحديث من فراغ. فقد جعله ميثاق الأمم المتحدة أحد المبادئ المرتبطة بإقامة علاقات ودية بين الدول، ثم أكدت المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن «للشعوب حق تقرير مصيرها»، وأن لها بموجب هذا الحق أن تحدد بحرية وضعها السياسي وتسعى إلى تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لكن القانون الدولي يميز، بصورة عملية، بين تقرير المصير داخل الدولة وبين تقرير المصير الذي يؤدي إلى الانفصال عنها.
الأول يمكن أن يعني المشاركة السياسية، والمساواة، والتمثيل، والحكم الذاتي، وإدارة الشؤون المحلية، وضمان الحقوق الثقافية والسياسية.
أما الثاني فيعني الوصول إلى وضع سياسي جديد، قد يكون الاستقلال.
وهنا تقع العقدة كلها.
فحق تقرير المصير لا يعني تلقائياً أن كل جماعة داخل دولة تملك حق إعلان استقلالها في أي وقت.
وهذا ما يجعل السؤال أكثر إثارة بالنسبة إلى السويداء.
ماذا لو فشل تقرير المصير داخل الدولة؟
هنا تظهر في القانون الدولي والفقه القانوني فكرة تعرف باسم الانفصال العلاجي (Remedial Secession).
الفكرة، باختصار، أن الانفصال قد يُطرح باعتباره وسيلة استثنائية عندما يُحرم شعب بصورة جسيمة من ممارسة تقرير مصيره داخل الدولة، وتصبح الوسائل الداخلية لمعالجة الوضع مسدودة.
لكن من المهم عدم تقديم هذه الفكرة باعتبارها قاعدة قانونية محسومة.
ففي رأيها الاستشاري بشأن كوسوفو عام 2010، كانت محكمة العدل الدولية على علم بالخلاف الكبير حول وجود حق يسمى «الانفصال العلاجي» وشروطه، لكنها لم تحسم المسألة، لأن السؤال الذي طُرح عليها كان أضيق: هل إعلان استقلال كوسوفو خالف القانون الدولي؟
وهنا تكمن واحدة من أكثر النقاط التي يجري تبسيطها في النقاشات السياسية.
محكمة العدل الدولية لم تقل إن القانون الدولي يمنح كل شعب حق الانفصال، ولم تقل أيضاً إن الانفصال العلاجي قاعدة عامة مستقرة.
لكنها قالت إن إعلان استقلال كوسوفو نفسه لم يخالف القانون الدولي العام في الظروف التي نظرت فيها المحكمة.
وهذا فرق قانوني مهم.
كوسوفو: الاستقلال الذي لم يتحول إلى قاعدة عامة
أصبحت كوسوفو منذ إعلان استقلالها عام 2008 المثال الأكثر حضوراً في النقاش العالمي حول الانفصال.
لكن استخدامها كـ«سابقة» لكل حالة انفصال يمثل تبسيطاً شديداً.
فمحكمة العدل الدولية لم تحكم بأن لكل إقليم داخل دولة حقاً مماثلاً في الانفصال. بل تجنبت تحديد وجود حق عام في «الانفصال العلاجي»، لأن ذلك لم يكن ضرورياً للإجابة عن السؤال المعروض عليها.
ولهذا فإن درس كوسوفو ليس: «يمكن لأي إقليم أن ينفصل».
بل ربما يكون الدرس الأدق: هناك حالات استثنائية لا يمكن فهمها من خلال قاعدة واحدة، ولا يجوز اختزالها في شعار قانوني واحد.
كيبيك: ماذا يحدث عندما ترفض الدولة الانفصال؟
التجربة الكندية أكثر فائدة في فهم الجانب الآخر من المسألة.
في عام 1998 نظرت المحكمة العليا الكندية في سؤال انفصال كيبيك، ودرست العلاقة بين حق تقرير المصير ووحدة الدولة.
ورأت المحكمة أن حق تقرير المصير في القانون الدولي يُمارس، في الظروف العادية، داخل الدولة القائمة. لكنها ناقشت أيضاً احتمال نشوء حق في الانفصال في ظروف استثنائية، مثل الاستعمار أو الخضوع للسيطرة الأجنبية أو الحرمان الجسيم من القدرة على ممارسة تقرير المصير داخل الدولة.
وفي حالة كيبيك نفسها، خلصت المحكمة إلى أن الظروف لم تصل إلى هذا الحد، وأن كيبيك لا تملك حقاً أحادياً في الانفصال بموجب القانون الدولي.
لكن المحكمة قدمت فكرة مهمة: وحدة الدولة ليست بديلاً عن احترام تقرير المصير، كما أن تقرير المصير ليس مرادفاً تلقائياً لتفكيك الدولة.
إنها علاقة شد وجذب بين مبدأين.
وماذا فعلت بريطانيا مع اسكتلندا؟
في بريطانيا، لم تُحل مسألة استقلال اسكتلندا بالحرب، ولا بإعلان أحادي، بل بالتفاوض السياسي.
في أكتوبر 2012 توصلت الحكومتان البريطانية والاسكتلندية إلى اتفاق سمح بإجراء استفتاء على استقلال اسكتلندا، ونُظم الاستفتاء في 18 سبتمبر 2014. وانتهى برفض الاستقلال بنسبة 55.3% مقابل 44.7%، مع مشاركة بلغت نحو 84.6%.
القصة هنا ليست في نتيجة الاستفتاء.
الأهم أن الدولة البريطانية قبلت مبدأ أن سؤالاً جوهرياً يتعلق بمستقبل الإقليم يمكن أن يُطرح سياسياً وشعبياً من خلال آلية تفاوضية وقانونية.
وهذا يفتح سؤالاً مختلفاً تماماً أمام السويداء:
ماذا يحدث عندما لا تكون هناك آلية متفق عليها تسمح للمجتمع بإعادة تعريف علاقته بالدولة؟
السويداء: من سؤال الانفصال إلى سؤال العلاقة بالدولة
من وجهة نظر السويداء، لا ينبغي أن يبدأ النقاش من النتيجة، أي من سؤال «هل نريد الانفصال؟»، بل من السؤال الذي يسبقها:
هل ما زالت هناك صيغة سياسية قابلة للحياة تضمن للسويداء الأمن والتمثيل والمشاركة وتقرير مستقبلها ضمن الدولة؟
إذا كانت الإجابة نعم، يصبح النقاش حول شكل الدولة وعلاقتها بالمنطقة هو المسار الطبيعي.
أما إذا كانت الإجابة لا، فإن المطالبة بتقرير المصير الخارجي تصبح، بالنسبة إلى أصحاب هذا الطرح، جزءاً من البحث عن مخرج سياسي وليس مجرد رغبة في تغيير الحدود.
وهنا تحديداً يظهر مفهوم «الانفصال العلاجي» بوصفه سؤالاً قانونياً وسياسياً، لا وصفة جاهزة.
فالقانون الدولي لا يقول إن كل جماعة غير راضية عن حكومتها تستطيع الانفصال. وفي الوقت نفسه، فإن تاريخ القانون الدولي نفسه يبين أن فكرة تقرير المصير لم تكن دائماً محصورة داخل الحدود القائمة.
المسألة إذن تتعلق بدرجة الانسداد، وطبيعة الانتهاكات، وإمكانية ممارسة تقرير المصير الداخلي، ووجود حلول سياسية قابلة للحياة، ثم بالسياق الدولي الذي يمكن أن يجعل أي مشروع انفصال قابلاً للحياة أو غير قابل لها.
بين اسكتلندا وكوسوفو والسويداء
ربما لا توجد تجربة دولية يمكن نسخها ووضعها فوق السويداء.
اسكتلندا مختلفة، لأنها خاضت مساراً تفاوضياً داخل دولة ذات مؤسسات مستقرة.
وكيبيك مختلفة، لأنها عاشت داخل نظام دستوري قادر على استيعاب المطالبة بالانفصال ومناقشتها قضائياً وسياسياً.
وكوسوفو مختلفة، لأن قضيتها ارتبطت بحرب وتدخل دولي وترتيبات أممية استثنائية.
لكن هذه التجارب الثلاث تقدم درساً مشتركاً: تقرير المصير ليس كلمة سحرية، والانفصال ليس نتيجة آلية لها.
وفي المقابل، فإن وحدة الدولة ليست أيضاً كلمة سحرية تستطيع إغلاق السؤال إلى الأبد.
ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه السويداء لا يمكن اختزاله في «مع الانفصال أو ضده».
السؤال الأكثر جدية هو:
هل يستطيع أبناء منطقة ما أن يقرروا مستقبل علاقتهم بالدولة التي يعيشون فيها؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما الآلية؟ وإذا كانت الإجابة لا، فما الذي يبقى من المعنى العملي لتقرير المصير؟
ربما هنا يبدأ النقاش الحقيقي.
فبينما يستطيع السياسي أن يرفع شعار الوحدة، ويستطيع آخر أن يرفع شعار الانفصال، يبقى القانون الدولي أكثر تعقيداً من الاثنين.
إنه يضع أمام الجميع سؤالاً واحداً: هل توجد صيغة عادلة وقابلة للحياة لممارسة تقرير المصير داخل الدولة، أم أن انسداد هذه الإمكانية يفتح الباب أمام السؤال الأصعب: هل يملك الشعب حق اختيار مصيره خارجها؟
وهذا هو السؤال الذي بدأت السويداء تطرحه، ولم يعد من السهل تجاهله.



